تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
سيئة ، وإن لم تكن الثانية - في الحقيقة - سيئة ، وكذلك سمى جزاء الاعتداء : اعتداء ، وإن لم يكن الثاني اعتداء ؛ فعلى ذلك سمى هذا : خداعا ؛ لأنه جزاء الخداع ، واللغة غير ممتنعة عن تسمية الشيء باسم سببه ؛ على ما ذكرنا ، واللّه أعلم . ثم اختلف في جهة الخداع ؛ عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - قال : يعطى المنافقين على الصراط نورا كما يعطى المؤمنين ؛ فإذا مضوا به على الصراط طفئ نورهم ، ويبقى نور المؤمنين يمضون بنورهم ؛ فينادون المؤمنين :
انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ
[ الحديد : 13 ] فنجوز به ؛ فتناديهم الملائكة :
ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً
، وقد علموا أنهم لا يستطيعون الرجوع ؛ فذلك قوله :
وَهُوَ خادِعُهُمْ
وكذلك قال الحسن « 1 » ، ثم قال : فتلك خديعة اللّه إياهم . وقال آخرون : يفتح لهم باب من أبواب الجنة ؛ فإذا رأوا ذلك قصدوا ذلك الباب ، فلما دنوا منه أغلق دونهم ، ذلك الخداع ، واللّه أعلم . ويحتمل وجها آخر : وهو أنهم شاركوا المؤمنين في هذه الدنيا ومنافعها ، والتمتع والتقلب فيها ؛ فظنوا أنهم يشاركونهم في منافع الآخرة والتمتع بها ؛ فيحرمون ذلك ، فذلك الخديعة ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ . . .
الآية . جعل اللّه - تعالى - للمنافق أعلاما في قوله وفعله يعلم بها المنافق : أما في القول : ما قالوا :
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
[ آل عمران : 173 ] ، وقوله :
وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ
[ النساء : 72 ] ، وقوله - تعالى - :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا . . .
الآية [ الأحزاب : 18 ] . وأما في الفعل فهو قوله - تعالى - :
وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
، وقوله :
وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا
[ الأحزاب : 18 ] أي القتال ، وقوله - تعالى - :
فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ . . .
الآية [ الأحزاب : 19 ] ، ومثله كثير في القرآن ، مما جعل ذلك علامة لهم ، وهو كقوله - تعالى - :
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ . . .
الآية [ المنافقون : 4 ] ، وكقوله - تعالى - :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ . . .
الآية [ التوبة : 127 ] يراءون في جميع أفعالهم - الناس .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 9 / 330 ) ( 10723 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 2 / 417 ) وزاد نسبته لابن المنذر .