تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
تدبير سوى الأمر ، ولا صنع ، وقد أحبّ أن يحمد عليه بقوله - عزّ وجل - :
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
[ الفاتحة : 7 ] ، وبقوله - عزّ وجل - :
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
[ الحجرات : 17 ] ، وقوله - تعالى - :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
[ النور : 10 ] في غير موضع من القرآن ، ولا قوة إلا بالله . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 189 ]

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 189 ) قال اللّه - تعالى - :
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ :
امتدح - جل ثناؤه - بإدخال كلية الأشياء تحت قدرته ، وبه خوّف من عاند نعمته ، وأطمع من خضع له عظيم ثوابه ؛ فلئن جاز إخراج شيء تحت القدرة عن قدرته ، لاضمحل الخوف عما خوّفه ، والرجاء فيما أطمعه ؛ إذ لم يظهر على ذلك قدرته إلا بقوله :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ المائدة : 120 ] ، وما لا صنع لأحد في شيء إلا بأقداره ، ومحال أن يقدر على ما لا يقدر هو عليه ، أو يزول به قدرته ؛ لما فيه ما ذكرت ؛ فلذلك قلنا في بطلان قول المعتزلة بإخراج أفعال صنع الخلق عن قدرة اللّه ، وامتناعه عن تدبيره ، ولا قوة إلا باللّه . قال اللّه - عزّ وجل - :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . .
إلى قوله - عزّ وجل - :
لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
[ آل عمران : 190 ] : نقول - وباللّه نستعين - : أخبر اللّه - تعالى - أن فيما ذكر آيات لمن ذكر ، ومعلوم أن الآيات إنما احتيج إليها لمعرفة أمور غابت عن الحواس ، يوصل إليها بالتأمّل والبحث عن الوجوه التي لها جعلت تلك الأشياء المحسوسة ، التي يغني من له اللبّ دخولها تحت الحواس - عن تكلف العلم بها بالتدبير ، بل علم الحواس هو علم الضرورات وأوائل علوم البشر الذي منه يرتقي إلى درجات العلوم ؛ فيلزم طلب ذلك ؛ فيبطل به قول من قال : العلوم كلها ضرورات لا تقع بالأسباب ، ولا يلزم الخطاب دون تولى الرب إنشاء العلم في القلوب بحقيقة ما فيه الخطاب ؛ إذ ذلك يرفع حق الطلب ، ويستوفي فيه الموصوف باللبّ وغير الموصوف ، والمتفكر في الأمر وغير المتفكر ، وقد قال اللّه - تعالى - :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . .
الآية [ آل عمران : 191 ] ، وفي ذلك دليل أن المقصود مما أظهر ليس هو ما أظهر ، إذ لزم التفكر بالذي أظهر ؛ ليوصل به إلى العلم بالذي له أنشأ الذي أظهر ، ويعلم ما جعل في الذي دليله وعمله ، وهذا لكل أنواع العلوم أن منها ظاهرا مستغنيا بظهوره عن الطلب ، وخفيّا يطلب بما له في الذي ظهر من أثر ينبئ عنه التأمل « 1 » ،
هامش
( 1 ) في ب : المتأمل .