تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
لنفسه ، بمعنى ضرّها ؛ ونحس « 1 » لحظّها ؛ إذا فعل ما ليس له الفعل ووضع اختياره في غير موضعه ، وهما معنيا الظلم ، وكذلك من تعدى حدّ اللّه أو آثر ما يزجره العقل والشرع - فقد فحش فعله ، وذلك معنى الظلم الذي وصفت ؛ إذ فعل ما ليس له ، واختياره غير الذي له - هو الذي يزجره العقل والشرع ، واللّه أعلم . ويحتمل وجها آخر غير هذين : وهو أن الظلم يجمع كل وجوه الخلاف ؛ عظم أو صغر ، ولذلك قد نسب ذلك إلى زلات الأخيار ، نحو ما قيل لآدم - عليه السلام - في أكل الشجرة :
فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 35 ] ، وقيل في الشرك :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
[ المائدة : 51 ] . والفواحش : ما [ ظهر وتبين ] « 2 » قبحه ؛ لا ما قلّ أو كثر في الذنوب ، وعلى ذلك النقصان ظلما بقوله - عزّ وجل - :
وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً
[ الكهف : 33 ] ، وقد يوصف العيب والنقصان بالفحش ؛ لكنه إذا كثر وظهر فمثله في الزلات ، ويكون كالطيب في المحلّلات من المباح ونحوه في الدرجة ، واللّه أعلم . ثم ليس بنا حاجة إلى معرفة المقصود بالذكر في الآية ؛ لما فيها الرجوع عن ذلك ، وطلب المغفرة ، وكل أنواع المآثم بالتوبة تغفر بما وعد اللّه في الشرك ، والزنا ، والقتل ؛ فما دونه - بقوله :
يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ . . .
[ الفرقان : 69 ] إلى تمام « 3 » الآية ، واللّه أعلم . وقوله :
إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً .
يحتمل الفاحشة : ما فحش في العقل وقبح . وقال آخرون : كل محرم منهيّ فهو فاحشة . والأول كأنه أقرب ؛ لأن الشيء ما لم يبلغ في الفحش والقبح غايته ؛ فإنه لا يقال : فاحشة ، وإذا بلغ الغاية - فحينئذ كالطيب ، أنه إنما يقال ذلك إذا بلغ غايته في الحل واللّذة ، فأما أن يقال لكل حل في الإطلاق طيبا - فلا ، فعلى ذلك : الفواحش ؛ لا يقال لكل محظور محرم ، إنما يقال ما بلغ في القبح والفحش غايته ، فأما أن يقال ذلك لكل محرم منهي - فلا ، وباللّه التوفيق « 4 » .
هامش
( 1 ) النحس : الجهد والضّرّ ، والنحس : خلاف السعد من النجوم وغيرها . ينظر : اللسان ( 6 / 4366 ) ( نحس ) . ( 2 ) بدل ما بين المعقوفين في ب : يظهر ويتبين . ( 3 ) في ب : آخر . ( 4 ) قال القرطبي : والفاحشة تطلق على كل معصية ، وقد كثر اختصاصها بالزنا حتى فسر جابر بن عبد اللّه والسديّ هذه الآية بالزنا . ينظر : تفسير القرطبي ( 4 / 135 ) .