تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
التي أنفقوها في صد الناس - تنفعهم في الآخرة ، وتقربهم إلى اللّه ، فأخبر أنها لا تنفع ، فكان كالريح التي فيها صرّ وبرد ، ظنوا أن فيها رحمة ، وشيئا ينفع زروعهم ، وينمو بها ، فإذا فيها نار أحرقت حرثهم ؛ كما طمعوا من أعمالهم ونفقاتهم التي في الدنيا - بالآخرة ؛ قربة وزلفة إليه ، فإذا هي مهلكة لأبدانهم ؛ كالريح التي فيها صرّ كانت مهلكة ؛ محرقة لزروعهم وحرثهم ، واللّه أعلم . والصرّ : هو البرد الشديد . وقيل : الصر : الصوت ؛ كقوله :
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها
« 1 » [ الذاريات : 29 ] . قيل : هي الصوت . قيل : مثل ما ينفقون في الصدّ عن سبيل اللّه ، وفي قتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ كقوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا . . .
الآية [ الأنفال : 36 ] ، أي : يتأسفون على ما أنفقوا تأسف صاحب الزرع على ما كان أنفق فيه « 2 » ، واللّه أعلم . وقوله :
وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ :
والظلم : ما ذكرنا : هو وضع الشيء في غير موضعه ، فهو - واللّه أعلم - قال : هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها ، لا أن وضع اللّه أنفسهم ذلك الموضع ؛ لأنهم عبدوا غير اللّه ، ولم يجعلوا أنفسهم خالصين سالمين للّه ، فهم الذين ظلموا أنفسهم ؛ حيث أسلموها لغير اللّه ، وعبدوا دونه ، فذلك وضعها في غير موضعها ؛ لأن وضعها موضعها هو أن يجعلوها خالصة للّه ، سالمة له . وقيل : ما ضروا اللّه بعبادتهم غيره وبكفرهم به ، إنما ضروا أنفسهم ؛ إذ لا حاجة له إلى عبادتهم « 3 » ، واللّه الموفق . قال الشيخ - رحمه اللّه - : تقديم وتأخير ، وأصل ذلك أن اللّه قد وضع كل نفس الخلقة بموضع العبودية ، فجعلوها عبدة غيره . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 118 إلى 120 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 118 ) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 119 ) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 120 )
هامش
( 1 ) قاله ابن الأنباريّ كما في تفسير الفخر الرازي ( 8 / 171 ) وقال البغوي : وأكثر المفسرين قالوا : فيها برد شديد . معالم التنزيل ( 1 / 344 ) . ( 2 ) قال بنحوه السدي أخرجه عنه الطبري ( 7 / 135 ، 136 ) ( 7668 ) ، وابن أبي حاتم ( 2 / 496 ) ( 1260 ) . ( 3 ) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ( 2 / 497 ) ( 1263 ) عن ابن عباس ، وذكره بمعناه ابن جرير في تفسيره من قوله ( 7 / 137 ، 138 ) .