تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
وقال بعضهم : كلّ الأنبياء أولوا عزم إلّا يونس عليه السّلام ، ألا ترى أنّ نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم نهي عن أن يكون مثله لخفّة وعجلة ظهرت منه حين ولّى مغاضبا لقومه ، فابتلاه اللّه بالحوت فابتلعه ، وقيل : أولوا العزم نجباء الرّسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر ، قال اللّه تعالى فيهم
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
« 1 » . وقال مقاتل : ( أولوا العزم ستّة : نوح صبر على أذى قومه وكانوا يضربونه حتّى يغشى عليه ، وإبراهيم صبر على النّار ، وإسحاق صبر على الذبح ، ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره ، ويوسف صبر على البئر والسّجن ، وأيّوب صبر على الضّرّ ) « 2 » . قال ابن عبّاس : ( العزم : الصّبر ) ، وقال القرظيّ : ( الرّأي والصّواب ) . وقال الحسن : ( أولوا العزم أربعة : إبراهيم وموسى وداود وعيسى عليهم السّلام ، أمّا إبراهيم فعزمه أنّه قيل له : أسلم ، فقال أسلمت لرب العالمين ، وابتلي في ولده وماله ونفسه ، فوجد صادقا وافيا في جميع ما ابتلي به ، قال اللّه تعالى :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
« 3 » ، وقال اللّه تعالى :
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
« 4 » ، وأمّا موسى فعزمه أنّ قومه كلّما قالوا له : إنّا لمدركون ، قال : كلّا إنّ معي ربي سيهدين . وأمّا داود عليه السّلام فعزمه أنّه أخطأ خطيئة فبكى عليها أربعين سنة . وأمّا عيسى فعزمه أن لم يضع لبنة على لبنة زهدا في الدّنيا ) « 5 » . فكأنّ اللّه تعالى قال لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرّسل ؛ أي كن صادقا فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم عليه السّلام ، وكن واثقا بنصر مولاك مثل ثقة موسى عليه السّلام مهتمّا بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود عليه السّلام ، زاهدا في الدّنيا مثل زهد عيسى عليه السّلام ، فقال الشاعر :
هامش
( 1 ) الآية 90 . ( 2 ) قاله مقاتل في التفسير : ج 3 ص 231 . ونقل عنه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : ج 16 ص 220 . ( 3 ) البقرة / 124 . ( 4 ) النجم / 37 . ( 5 ) ذكره أيضا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : ج 16 ص 221 .