تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
الْعَلِيمِ
( 38 ) ؛ أي ذلك الذي سبق ذكره تقدير العزيز في ملكه ، العليم الذي لا يخفى عليه شيء . وفي قراءة ابن عبّاس : ( تجري لا مستقرّ لها ) أي لا قرار لها فهي جارية أبدا ما دامت الدّنيا . قوله تعالى :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ؛
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ( والقمر ) بالرفع عطفا على قوله
( وَالشَّمْسُ تَجْرِي )
، وقيل : على الابتداء ، وقرأ الباقون بالنصب على معنى وقدّرناه القمر وقدّرنا منازل ، كما تقول : زيدا ضربته . والمعنى : قدّرنا له منازل ينزل في كلّ ليلة منزلة ، وجملة منازل ثمانية وعشرون ، فإذا صار إلى آخر منزله وهي ليلة ثمان وعشرين ،
حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
( 39 ) ؛ وهو عذق النخلة الذي فيه الشّماريخ إذا يبس ، ولأن العذق إذا مضت عليه الأيام جفّ وتقوّس ويبس ودقّ واصفرّ وصار شبه الأشياء بالقمر في أوّل الشهر وآخره ، لا يقدر على ذلك إلّا اللّه تعالى . قوله تعالى :
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ؛
يعني أنّ الشمس أبطأ مسيرا من القمر فلا تدركه ، وذلك أنّ الشمس تقطع منازلها في سنة ، والقمر يقطع منازله في شهر ، وهما مسخّران مقهوران على ما ذكرهما اللّه تعالى . ويقال معنى قوله :
( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ )
أي لا يدخل النّهار على الليل قبل انقضائه ، ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه ، كلاهما يسيران دائبين ، ولكلّ حدّ لا يعدوه ولا يقصر دونه ، فإذا جاء سلطان هذا ذهب ذلك ، فإذا جاء سلطان ذلك ذهب هذا ، فذلك قوله تعالى :
وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ؛
أي لا تتأخّر الشمس عن مجراها ، فتسبق ظلمة الليل في وقت النّهار . قوله تعالى :
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
( 40 ) ؛ أي كلّ من الشمس والقمر والنّجوم الغاربة والطّالعة في فلك يسيرون ويجرون بالأبساط . والفلك : هو مواضع النجوم من الهواء ؛ أي الذي يجري فيه ، سمّي بهذا الاسم لأنه يدور بالنجوم ، ومنه فلكة المغزل لأنّها تدور بالمغزل .