قوله تعالى :
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ ؛
أي أهل هذه الصّفة
( جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ )
أي عذابه ، واللّعنة من اللّه الإبعاد ، وأمّا لعنة الملائكة والناس فدعاؤهم على الكفّار بأن يبعدهم اللّه من رحمته . فإن قيل : كيف قال اللّه :
وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
( 87 ) ومن الناس من يوالي الكافر ويوافقه ولا يلعنه ؟ قيل : إنّهم في الآخرة يلعن بعضهم بعضا .
وقوله تعالى :
خالِدِينَ فِيها ؛
أي مقيمين في اللّعنة ، وقيل : في العذاب ؛
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
( 88 ) ؛ حين ينزل بهم .
قوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا ؛
استثناء من قول اللّه عزّ وجلّ
( أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ ) ؛
ومعناه :
( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ )
الكفر والشّرك بعد ارتدادهم ؛
( وَأَصْلَحُوا )
أي لم يكتفوا بمجرّد الإيمان . ويقال : أصلحوا أعمالهم بالتوبة ، وقيل : أصلحوا ما أفسدوه من الناس ممّن تبعهم ،
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 89 ) ؛ أي يتجاوز عنهم ، رحيم بهم بعد التوبة .
قال ابن عبّاس : ( لمّا نزلت قال للحارث بن سويد : [ الرّخصة في التّوبة ] أرسل أخوه الجلّاس إليه : أنّ اللّه عزّ وجلّ قد فرض عليكم التّوبة ؛ فارجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاعتذر إليه . فرجع وتاب ، وقبل ذلك النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فبلغ ذلك أصحابه الّذين بمكّة ؛ فقالوا : نتربّص بمحمّد ريب المنون ؛ فإن بدا لنا الرّجعة إليه ذهبنا كما ذهب الحارث فيقبل توبتنا ) « 1 »
فأنزل اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ؛
إنّ الذين كفروا باللّه وبالرسول بعد تصديقهم ثمّ ازدادوا كفرا بقولهم : نقيم بمكّة ما بدا لنا ، لن تقبل توبتهم ،
وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
( 90 ) ؛ أي عن الإسلام .
وفي هذه الآية دليل على أنّ هؤلاء لم يكونوا محقّقين ؛ لأنه قال :
( وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ) .
وكانت هذه الآية خاصّة في قوم علم اللّه أنّهم لا يتوبون إلّا عند حضور
هامش
( 1 ) في الدر المنثور : ج 2 ص 257 - 258 ؛ قال السيوطي : « وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح مولى أم هانئ » وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف : ج 7 ص 370 : الرقم ( 36767 ) بلفظ قريب منه .