قوله تعالى :
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ؛
أي أعرض عنهم ولا تعاقبهم ،
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
( 13 ) ؛ أي المتجاوزين ، وهذا منسوخ بآية السّيف بقوله :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
« 1 » .
قوله تعالى :
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ؛
بيّن اللّه تعالى أنّ النصارى لم يكونوا بعد أخذ الميثاق أحسن معاملة من اليهود ، ومعنى أخذ الميثاق : هو ما أخذ اللّه عليهم في الإنجيل من العهد المؤكّد باتّباع محمّد صلى اللّه عليه وسلم وبيان صفته ونعته ، كما قال تعالى في آية أخرى :
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
« 2 » فنسوا حظّا مما ذكّروا به ؛ أي تركوا بعضا ممّا ذكّروا به ،
فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ؛
أي هيّجنا بين فرق النّصارى ، وهم النّسطوريّة واليعقوبيّة والملكانيّة ، وألقينا بينهم العداوة في الدّين .
وذلك أنّ اللّه رفع الألفة بينهم وألقى بينهم العداوة والبغضاء ، فهم يقتتلون إلى يوم القيامة . وأصل الإغراء : الإلصاق مأخوذ من الغراء الّذي يلصق به الأشياء ، والعداوة : تباعد القلوب والنّيّات ، والبغضاء : البغض . قوله تعالى :
وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
( 14 ) ؛ أي يخبرهم في الآخرة بما كانوا يصنعون من الجناية والمخالفة وكتمان نعت محمّد صلى اللّه عليه وسلم وصفته .
ثم خاطب اللّه تعالى الفريقين من اليهود والنّصارى فقال تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ ؛
يعني التّوراة والإنجيل . قوله تعالى :
( تُخْفُونَ )
يعني صفة محمّد صلى اللّه عليه وسلم وآية الرّجم ، وإضافة اليهود والنّصارى إلى الكتاب تعيير لهم ، كما يقال : يا عاقل لم تعلم ؛ أي يا جاهل .
وقوله تعالى :
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ
( 15 ) ؛ يعني بالنّور محمّدا صلى اللّه عليه وسلم يبيّن لكم كثيرا ممّا كنتم
هامش
( 1 ) التوبة / 29 .
( 2 ) الصف / 6 .