خاضعة : وفي ذلك وجوه كلّها صواب . أوّلها أن مجاهدا جعل الأعناق : الرجال الكبراء . فكانت الأعناق هاهنا بمنزلة قولك : ظلّت رؤوسهم رؤوس القوم وكبراؤهم لها خاضعين للآية « 1 » . والوجه الآخر أن تجعل الأعناق الطوائف ، كما تقول : رأيت الناس إلى فلان عنقا واحدة فتجعل الأعناق الطّوائف والعصب وأحبّ إليّ من هذين الوجهين في العربيّة أن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون فجعلت الفعل أوّلا للأعناق ثم جعلت
( خاضِعِينَ )
للرجال كما قال الشاعر :
على قبضة موجوءة ظهر كفّه * فلا المرء مستحى ولا هو طاعم « 2 »
فأنّث فعل الظهر لأن الكف تجمع الظهر وتكفى منه : كما أنك تكتفى بأن تقول : خضعت لك رقبتي ؛ ألا ترى أن العرب تقول : كلّ ذي عين ناظر وناظرة إليك ؛ لأن قولك : نظرت إليك عيني ونظرت إليك بمعنى واحد فترك ( كلّ ) وله الفعل وردّ إلى العين . فلو قلت : فظلّت أعناقهم لها خاضعة كان صوابا . وقد قال الكسائىّ : هذا بمنزلة قول الشاعر :
ترى أرباقهم متقلّديها * إذا صدئ الحديد على الكماة « 3 »
ولا يشبه هذا ذلك لأن الفعل في المتقلّدين قد عاد بذكر الأرباق فصلح ذلك لعودة الذكر . ومثل هذا قولك : ما زالت يدك باسطها لأن الفعل منك على اليد واقع فلا بدّ من عودة ذكر الذي في أول الكلام . ولو كانت فظلت أعناقهم لها خاضعيها كان هذا البيت حجّة له . فإذا أوقعت الفعل على الاسم ثم أضفته فلا تكتف بفعل المضاف إلا أن يوافق فعل الأول ؛ كقولك ما زالت يد عبد اللّه منفقا ومنفقة فهذا من الموافق 133 ب لأنك تقول يده منفقة وهو منفق ولا يجوز كانت يده باسطا لأنه باسط لليد واليد مبسوطة ، فالفعل مختلف ، لا يكفى فعل ذا من ذا ، فإن أعدت ذكر اليد صلح فقلت : ما زالت يده باسطها .
هامش
( 1 ) هذا تفسير قوله : « لها » .
( 2 ) سبق هذا البيت في 187 من الجزء الأول . وفيه « مرجوة » في مكان « موجوءة » .
( 3 ) الأرباق جمع الربق وهو حبل فيه عدة عرا يشد فيها صغار الشاء لئلا ترضع . والكماة : الشجعان