المقدّمة الأولى : قد اشتهر : « أنّ الجرح مقدّم على التعديل والتوثيق » ، وهذه القاعدة وإن كانت صحيحة في تعديل الشخص - لإثبات عدالته
، وحجّتها ظاهرة لأنّ الجرح لا يعارض التعديل ، إذ التعديل يرجعُ إلى عدم العلم بفسقٍ فيه والجرحُ يدلّ على وجوده فيه ، فلاتنافي بينهما أصلًا ، فالجرح مقدّمٌ على التعديل - ولكنّها في علم الرجال ليست بصحيحةٍ ، بل « التعديل والتوثيق مقدّم على الجرح والتضعيف » ، لأنّ توثيق الراوي في علم الرجال معناه : أنّ الراوي ثقةٌ في نقل الرواية ، وأنّ روايته معتمد عليها ، وجرح ذلك الراوي - الموثّق من هذهالجهة - معناه أنّه لا يعتمد عليه من جهة أخرى ، وهي أنّه فاسد العقيدة ، أو أنّه فاسق ، ولادخل لذلك في الرواية ونقله لها ، ولا تنافي بينهما أصلًا .
ونجد - / فعلًا - / أنّ كثيراً من الرواة فاسدو العقيدة ، ولكنّهم موثّقون عند الكلّ من جهة نقل الروايات .
فحينئذ لا بدّ من أن يقال مثلًا : إذا وثّق مثل النجاشي قدس سره راوياً وقال : « إنّه ثقة » ، وقال الشيخ قدس سره : « إنّه ضعيف » ، يقدّم قول النجاشي قدس سره ، لأنّه لا منافاة بكونه موثّقاً من جهة الرواية وفاسداً من جهة العقيدة ، أو موثّقاً من جهة نقل الرواية ولكنه فاسقٌ من جهة أفعاله .
فالحاصل أنّ مااشتهر من « أنّ الجرح مقدّم على التوثيق » ليس قابلًا للتطبيق في علم الرجال ، بل التوثيق هنا مقدّم على التضعيف ، وهذا الأمر مهمٌّ في هذا العلم ، فافهم .
المقدّمة الثانية : المراد بالتوثيق ، في هذه الوجيزة ، هو التوثيق عند القدماء ،
ومعناه كون الرواية معتمداً عليها ، فقولنا : « فلانٌ ثقةٌ » ، معناه : أنّ روايته موثّقة ، معتمد عليها ، ويجوز العمل بها ، وإنْ شئت قلت : إنّ المراد من التوثيق : أنّ الراوي موثّق من جهة نقل