المشهورة مدّعيا صحّة الأخبار به :
إنّ التوثيق والجرح اللّذين بنوا عليها الأخبار إنّما أخذوهما من كلام القدماء . وكذلك الأخبار التي رويت في أحوال الرواة من المدح والذمّ إنّما أخذوها عنهم ، فإذا اعتمدوا عليهم في مثل ذلك ، فكيف لا يعتمدون عليهم في تصحيح ما صحّحوه من الأخبار ، [ واعتمدوه ] وضمّنوا صحّته كما صرّح به جملة منهم ، كما لا يخفى على من لاحظ ديباجتي الكافي ومن لا يحضره الفقيه وكلام شيخ رحمه اللّه في العدّة وكتابي الأخبار ؟ فإن كانوا ثقاتا وعدولا في الأخبار بما أخبروا [ به ] ففي الجميع ، وإلّا فالواجب تحصيل الجرح والتعديل من غير كتبهم ، وأنّى لهم به .
لا يقال : « إخبارهم بصحّة ما رووه في كتبهم يحتمل الحمل على الظنّ القويّ باستفاضة أو شياع أو شهرة معتدّ بها أو قرينة أو نحو ذلك » ؛ لأنّا نقول أوّلا : إنّ أصحاب هذا الاصطلاح مصرّحون بأنّ مفاد الأخبار عند المتقدّمين هو القطع واليقين ، وإنّما عدلوا عنه إلى الظنّ لعدم تيسّر ذلك لهم .
وأمّا ثانيا : فلما تضمّنته تلك العبارات ممّا هو صريح في صحّة الأخبار بمعنى القطع واليقين بثبوتها من المعصومين عليهم السّلام ، فإن قيل : تصحيح ما حكموا بصحّته أمر اجتهادي لا يجب تقليدهم فيه ، ونقلهم المدح والذمّ رواية يعتمد عليهم فيها !
قلنا : إخبارهم بكون الراوي ثقة أو كذّابا ونحو ذلك أمر اجتهادي استفادوه بالقرائن المطّلعة على أحواله أيضا . « 1 »
وبالجملة هم ممّن سهرت عيونهم في تصحيحها ، وذابت أبدانهم في تنقيحها ، وقطعوا في تحصيلها من معادنها البلدان ، وهجروا في تنقيحها الأولاد والنسوان ، سيّما وقد ورد عن الأئمّة المنع عن العمل بكلّ رواية ردّوها من الأحاديث الموضوعة ، فهؤلاء الثقات إذا سمعوا ذلك ، كيف يحتمل نقلهم ما لا يثقون بصحّته ، ولا يعتمدون على حقّيّته ؟ !
بل من المقطوع والمعلوم عادة من أمثالهم أنّهم لا يذكرون ولا يريدون في مصنّفاتهم إلّا ما اتّضح لهم به الحال ، وأنّه في الصدق والاشتهار كالشمس في رابعة
هامش
( 1 ) . الحدائق الناضرة ، ج 1 ، ص 16 و 17 ( مع اختلاف يسير ) .