الْمَساقُ »
، « 1 » فكنت اقدّم رجلًا واؤخّر أخرى وتتابعت عليّ الأحزان تترى ، فناداني بعض أهل الخير والصلاح وخاطبني بحيّ على الفلاح ، فدلّني بعد المحروميّة على « المدرسة المعصوميّة » ، فدخلت الباب وبين يدي المطيّة والأسباب ، واشتدّت عليّ الأسقام والأتعاب . فلاقاني بعض الطلاب ، فسلّمت عليه وردّ عليّ السلام وحيّاني بأحسن تحيّة وإكرام ، ثمّ سألني عن الموطن والبلد والمطلب والمقصد والشغل والعمل والحمل وما حمل والاسم والنسب والرسم والحسب ، فأخبرته بحالي وبيّنت له أحوالي ، فأضمر في نفسه لحاجتي القضاء ، ثمّ صاحبني ولازمني إلى الفضاء ، فلم يزل يدور ويدوّرني في الأطراف ولم يبرح يطوف ويطوّفني على كلّ مطاف ، فبينا نحن في الدورات والحسرات إذ ناداني رجل من وراء الحجرات ،
« إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ »
، « 2 »
« صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ » ،
« 3 » فدنوت منه وهو يلقي الدرس في « شرح اللمعة » مع ألف أشر وبطر ورئاء وسمعة ؛ فرفع الرأس ، وقوي الظهر ، وكسر العنق وضيق العين ، وتنفس بالفواق ، وقام على الساق .
ثمّ أبرق وأرعد وتصوّب وتصعّد ، ثمّ رمق بطرف مائل ونادى بصوتٍ هائل : يا شديد الأمل ، ما الشغل والعمل ؟ فتخيّلت أنّ الأسقام أدّت أمري إلى الحمام ، فهذا أوان لقاء منكر ونكير أو وصال مبشّر وبشير ، فارتعدت الفرائض والأعضاء واقشعرّت المفاصل والأحشاء ، فقمت بجسم نحيف وقلت بصوت ضعيف : تحصيل العلوم لي البغية والطلبة وأنا أعدّ نفسي في عداد الطلبة ، فلمّا لاحظ من عمري ريعان الشباب وشاهد في وجهي آثار التراب وغبار الاكتياب ، لم يعرف الشمس من وراء السحاب ولم يميز البدر تحت الحجاب ، فخاطبني بأشدّ خطاب قائلًا : ما صيغة الطلبة بقاعدة التصريف ؟ أجبني من غير تحريف وتصحيف فعظم البلاء وأظلم في عيني الهواء ، واشتدّ الدواء وتنفس صدري بالصعداء ، فغلبني الحرق وألجمني العرق .
فقلت لنفسي : أيّها العالم بغوامض العلوم والواقف على نفائس الفنون ، أنت
هامش
( 1 ) . سورة القيامة ، الآيتان 29 و 30 .
( 2 ) . سورة الحجرات ، الآية 4 .
( 3 ) . سورة البقرة ، الآية 18 .