أهل السواد به ، واجتمعوا عليه وقالوا : « لو قتلتنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منّا عن زيارته » ، ورأوا من الدلائل ما حَمَلهم على ما صنعوا ؛ فكتب بالأمر إلى الحضرة ، فورد كتاب المتوكّل إلى القائد بالكفِّ عنه ، والمسير إلى الكوفة [ مظهراً أنّ مسيره إليها في مصالح أهلها والانكفاء إلى المصر ] « 1 » .
فمضى الأمر على ذلك حتّى كانت سنة سبعٍ وأربعين ، فبلغ [ المتوكّل ] أيضاً مصير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين عليه السلام ، وأنّه قد كثر جمعهم لذلك ، وصار لهم سوقٌ كبير ؛ فأنفذ قائداً في جمعٍ كثير من الجند ، وأمر منادياً ينادي ببراءة الذمّة ممّن زار قبره ، ونَبَشَ القبر ، وحرثَ أرضه ، وانقطع الناس عن الزيارة ، وعَمد على التتبّع لآل أبي طالب عليهم السلام والشيعة [ رضي اللَّه عنهم ] ، فقُتِلَ ولم يتمَّ له ما قدره « 2 » ، انتهى .
واللَّه أعلم بالأصحّ . وقد تقدّم أنّ المنتصر ابن المتوكّل - لعنه اللَّه - أمر بعمارة الحائر ، وبنى ميلًا على المرقد الشريف أيّام تملّكه ، كما نصَّ عليه المجلسي رحمه الله وغيره ، وكان تملّكه ستّة أشهر .
وذكر ابن الأثير وأبو الفداء في مختصره : أنّ المنتصر أمر الناس بزيارة قبر الحسين عليه السلام ، لكن يعلم من حديثٍ ذكره ابن طاووس في أمان الأخطار أنّ الحائر بقي غير مسكون إلى أيّام المعتضد ؛ قال السيّد ابن طاووس :
إنَّ عليّ بن عاصم الزاهد كان يزور الحسين عليه السلام قبل عمارة مشهده بالناس ، فدخل سَبُعٌ إليه فلم يهرب منه ، ورأى كفَّ السَّبُع منتفخةً بقصبةٍ قد دخلت فيها فأخرج القصبة منه ، وعصر كفَّ السبع وشدَّه ببعض عمامته ، ولم يقف من الزوّار لذلك سواه « 3 » .
فإنّ قوله « فدخل سَبُعٌ » ظاهرٌ في أنّ على القبر سقيفة وبناء ، فمراده من قوله « قبل عمارة مشهده » يريد قبل سُكنى الناس وقبل العود إلى المجاورة ؛ لأنّ عليّ بن عاصم المذكور ماتَ في حبس المعتضد العبّاسي في عشر الثمانين بعد المئتين .
هامش
( 1 ) . الزيادة من الأمالي .
( 2 ) . أمالي الطوسي ، ص 328 - 329 .
( 3 ) . الأمان من أخطار الأسفار والأزمان ، ص 127 .