تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميراث حديث شيعه — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
هامش
غيره . وأنا أذكر فصلًا غرضي فيه الإنصاف وقصدي فيه توَخّي الحقّ ؛ واللَّه يعلم أنّها عادتي في كلّ ما أورده ، وطريقي في كلّ ما آتيه . وأنت - أيّدك اللَّه - متى نظرت في ذلك نظر من يريد تحقيق الحقّ ، ظهر لك صحّة ما أوردته وحقيقة ما أردته . وبيان هذا : أنّه لا يقتضي عقلُ من يؤمن باللَّه واليوم الآخر ، ويقول بالبعث والنشور ، ويصدّق بالجنّة والنار : أن يسعى لنفسه في البعد من اللَّه ورسوله وجنّته ، والقرب من عذاب اللَّه وسخطه وناره ، نعوذ باللَّه من ذلك ! . فمن المحال أنّ الشيعي يعلم أنّ حديثاً ورد في حقّ أحد الصحابة فيقول ببطلانه ويميل إلى تكذيبه ، أو يحرّفه عمّا ورد لأجله ؛ مكابرةً للحقّ ودفعاً له بالراح ، وإقداماً على اللَّه ورسوله ، وكذباً على اللَّه ورسوله ، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار ! وقال : من كذب عليّ كُلِّف أن يعقد شعرة من نار ، وليس بعاقد . فعلى هذا : لا يكون الرجل مسلماً وهو يكذب على اللَّه ورسوله : فكيف يفعل الشيعيّ مثل هذا أو يَقدم عليه وفيه من الخطر وسوء العاقبة ما ذكرت لك ؟ ! والذي يجب أن يقال : أنّ الشيعة روت أحاديث نقلها رجالهم المعروفون عندهم بالأمانة والعدالة ، فنقلوها عنهم ، ولم يعرفوا رجال الجمهور لينقلوا عنهم ، وكذا حال أولئك فيما رووه عن رجالهم . فأخبار هؤلاء لا تكون حجةً على أولئك وبالعكس . ثمّ إنّ طوائف الجمهور ينقل بعضهم ما لا ينقله الباقون ، ويحرّم بعضهم ما أحلّه الآخرون ، ولا يتسرّعون فيما بينهم فيقولون : كذب فلان ! وقد خالفه بل ربما اعتذر عنه وسمّاه مجتهداً وقال : إلى هذا أدّى اجتهاده ، و « اختلاف الامّة رحمة » في أمثال ذلك . ومتى سمعوا حديثاً رواه الشيعة أقدموا على ردّه وكذّبوا ناقله وراويه ، مُسترسلين إلى ذلك ، وإنّما روي بالطرق الّتي بها رووا ، فهلّا عاملوه معاملتهم لأصحابهم الذين خالفوهم ؟ ! ونضرب مثالًا يحصل به التأنيس بهذه المقدّمة ، ويقوم به عذر الشيعة عند من عساهُ ينصف ويقارب ، وقليلٌ ما هم : لا شبهة أنّ كتاب الجمع بين الصحيحين لمسلم والبخاري ، من أوثق الكتب وأصحّها نقلًا وأثبتها رجالًا عند الجمهور . ومن رواة الأحاديث فيه : طلحة والزبير وعائشة ، وهم في مناصبتهم عليّاً عليه السلام ومظاهرتهم عليه وحربهم له معروفو الحال ، حتى قُتل في « وقعة الجمل » ألوف من الفريقين . ومن رواة الحديث في هذا الكتاب : معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ، وقد فعلا بعلي عليه السلام ما فعلا ، وأقدما على سبّه وحربه ، ونازعاه رداء الإمامة ، وحروبهم في « صفّين » معروفة ، وسرايا معاوية إلى الحجاز واليمن وقتل شيعة عليّ تحت كلّ حجر ومدر واضح جليّ . ومن رواة هذا الكتاب : المغيرة بن شعبة ، وحاله في الانحراف عن علي عليه السلام حالُه . ومن رواة هذا الكتاب : عمران بن حطّان ، وكان خارجيّاً يلعن عليّاً ويقول بكفره . فهل يُلام مُتشيع إذا وقف عن تصديق مَن هذا سبيله ؟ ! فالشيعة تبعُ رجالهم الثقاة عندهم ، وأولئك تبعُ رجالهم الثقاة عندهم . وقد جرت العادة أنّه إذا تعارضَت البيّنات وتكافأت الأدلّة أن يرجَّح الحاكم إن وجد مرجّح . والشيعة يُسقطون ما رووه ، ويأخذون حاجتهم مما رواه الجمهور ، فيحصل مرادهم بإجماع الطائفتين . وهذا مُرجّح ظاهر لمن تأمّله . وهذا الحديث الذي أوجب إيراد هذا الكلام ليس بأغرب من حديث رووه في الصحاح : أنّه صلى الله عليه وآله قال لعمر : إني رأيت قصراً في الجنة ، مِن صفته كذا ومِن صفته كذا ، فقلت : لمن هذا ؟ فقيل : لعمر ، وكنت أردت دخوله فذكرتُ غيرتك