ينكره من كان يعرفه ، ولقد حججت معه سنة فلمّا استوت راحلته عند الإحرام كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصّوت في حلقه ، وكاد أن يخرّ من راحلته . فقلت : قل يا ابن رسول اللَّه ولابدّ لك من أن تقول ! فقال لي : يا ابن أبي عامر ، كيف أجسر أن أقول : لبّيك اللهمّ لبّيك ، وأخشى أن يقول لي عز وجل : لا لبّيك ولا سعديك ! « 1 »
وقال ابن الفهد رحمه الله : حدّثني بعض أصحابنا إنّ اللَّه سبحانه أوحى إلى موسى عليه السلام : إذا جئت للمناجاة فأصحب معك مَن تكون خيراً منه . / 127 / فجعل موسى عليه السلام لا يعترض أحداً إلّا وهو لا يجسر أن يقول : إنّي خير منه ، فنزل عن الناس وشرع في أصناف الحيوانات حتّى مرّ بكلب أجرب ، فقال : أصحب هذا ، فجعل في عنقه حبلًا ثمّ مرّ به ، فلمّا كان في بعض الطريق شمّر [ الكلب من ] الحبل وأرسله ، فلمّا جاء إلى مناجاة الربّ سبحانه قال : يا موسى ، أين ما أمرتك به ؟ قال : يا ربّ ، لم أجده . فقال تعالى : وعزّتي وجلالي لو أتيتني بأحدٍ لمحوتك من ديوان النبوّة « 2 » .
فانظري - يا نفس - إلى هذه الأخبار ، واعتبري وجودك الضعيف الذليل الحقير الخسيس في جنب وجود النبيّ الكريم والإمام العظيم ، وانكسري واضمحلّي وصري فانيةً في فناء عزّته وعظمته وكبريائه ، وإن زيّن عدوّك في نظرك أعمالك وتعجّبت منها فاذكري خبر معاذ بن جبل رحمه الله ؛ فإنّ هذه الأخبار قاصمة ظهر العجب والختالة ، وضاربةٌ عنق الوجود والأنانيّة .
روى الشيخ الصدوق « 3 » بإسناده عمّن حدّثه عن معاذ بن جبل ، قال : قلت : حدِّثْني بحديثى سمعتَه من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، حفظته من دقّة ما حدّثك به « 4 » ؟
هامش
( 1 ) . أمالي الصدوق ، ص 143 ، المجلس الثاني والثلاثون ، ح 3 ؛ عنه بحار الأنوار ، ج 47 ، ص 16 .
( 2 ) . عدّة الداعي ، ص 204 ، الرياء .
( 3 ) . كذا في النسخة . والصحيح : أبو محمّد جعفر بن علي القمّي ( نزيل الري ) في كتابه المنبئ عن زهدالنبيّ صلى الله عليه وآله كما في عدّة الداعي وبحار الأنوار والتحصين .
( 4 ) . الف وب : . . . حفظته وذكرته في كل يوم من شدته ودقته .