أبناء فارس والرّوم ، فهم يغتذون « 1 » في طيب الطعام ، ولذيذ الشراب ، وزكيّ الرّيح ، ومشيّد البنيان ، ومزخرف البيوت ، ومتّخذالمجالس ؛ يتبرّج الرجل منهم كما تتبرّج المرأة لزوجها ، وتتبرّج النساء بالحليِّ والحلل المزيّنة ، زيّهم يومئذٍ زيّ الملوك الجبابرة ، يتباهون بالجاه واللباس . وأولياء اللَّه عليهم العناء « 2 » شحبة « 3 » ألوانهم من السهار ، منحنيةٌ أصلابهم من القيام ، قد لَصِقت بطونهم بظهورهم من طول الصيام ، قد أذهلوا أنفسهم وذبحوها بالعطش ؛ طلباً لرضى اللَّه ، وشوقاً إلى جزيل ثوابه ، وخوفاً من أليم عقابه .
وإذا تكلّم منهم متكلّم بحقّ أو تفوّه بصدق قيل له : اسكت فأنت قرين الشيطان ، ورأس الضلالة ! يتأوّلون كتاب اللَّه على غير تأويله ، ويقولون :
« مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي / 107 / أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ »
« 4 » . « 5 »
قال الشيخ « 6 » المفيد رحمه الله في إرشاده : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام خرج ذات ليلة من المسجد وكانت ليلة قمراء ، فأمّ الجبّانة « 7 » ولحقه جماعة يَقْفون أَثَرَه ، فوقف ثمّ قال : من أنتم ؟
قالوا : نحن شيعتك يا أمير المؤمنين .
فتفرّس في وجوههم ثمّ قال : فما لي لا أرى عليكم سيماء الشيعة ؟
قالوا : وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين ؟
قال : صفر الوجوه من السهر ، عمش العيون من البكاء ، حُدْبُ الظهور من القيام ، خُمْصُ البطون من الصيام ، ذُبْل الشفاه من الدّعاء ، عليهم غبرة الخاشعين « 8 » .
هامش
( 1 ) . الف وب : يعتدون .
( 2 ) . الف وب ومستدرك الوسائل : العباء .
( 3 ) . التحصين : مشحبة . مستدرك الوسائل : شاحبة .
( 4 ) . سورة الأعراف ، الآية 32 .
( 5 ) . التحصين في صفات العارفين ، ص 21 - 22 ؛ جامع الأحاديث ، ص 332 عن التحصين ، عن كتاب المنبئ عن زهد النبي صلى الله عليه وآله .
( 6 ) . ب : - الشيخ .
( 7 ) . الف وب : فأمر الجيلة .
( 8 ) . إرشاد المفيد ، ج 1 ، ص 237 .