اللحوم ، وأذابوا الشحوم ، وأظمؤوا الكبود ، وأحرقوا الجلود بالأرياح والسمائم حتّى غشيت منهم الأبصار شوقاً إلى الواحد القهّار ، فإنّ اللَّه إذا نظر إليهم باهى بهم الملائكة وغشّاهم بالرحمة ، بهم يدفع اللَّه الزلازل والفتن .
ثمّ بكى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حتّى علا بكاؤه واشتدّ نحيبه وزفيره وشهيقه ، وهاب القوم أن يكلّموه ، وظنّوا أنّه لأمرٌ قد حدث من السماء .
ثمّ إنّه رفع رأسه فتنفّس الصعداء ثمّ قال : أوّه أوّه ، بؤساً لهذه الامّة ، ماذا يُلفي « 1 » منهم من أطاع اللَّه ! كيف يطردون ويضربون ويكذبون من أجل أنّهم أطاعوا اللَّه « 2 » فأذاؤوهم « 3 » بطاعة اللَّه ، ألا ولا تقوم الساعة حتّى يبغض النّاس من أطاع اللَّه ويحبّون من عصى اللَّه « 4 » .
ومن هذا الكتاب أيضاً ، مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال : أتدرون ما غمّي ؟ وفي أيّ شيء تفكّري ؟ وإلى أيّ شيء أشتاق ؟
قال أصحابه : لا ، يا رسول اللَّه ، ما علمنا بهذه من شيء ، أخبِرنا بغمِّك وتفكّرك وتشوّقك .
قال النبي صلى الله عليه وآله : أخبركم إن شاء اللَّه ، ثمّ تنفس وقال : هاه شوقاً إلى إخواني من بعدي !
فقال أبو ذر ، يا رسول اللَّه ، ألسنا / 67 / إخوانك ؟
قال : لا ، أنتم أصحابي ، وإخواني يجيئون من بعدي ، شأنهم شأن الأنبياء ، قوم يفرّون منالآباء والامّهات ومن الإخوة والأخوات ومن القرابات كلّهم ابتغاء مرضاة اللَّه ، يتركون المال للَّه ، ويذلّون أنفسهم بالتواضع للَّه ، لا يرغبون في الشهوات وفضول الدنيا ، مجتمعون في بيت من بيوت اللَّه كأنّهم غرباء ، تراهم محزونين لخوف النّار وحبّ الجنّة ، فمن يعلم قدرهم عند اللَّه ؟ ليس
هامش
( 1 ) . التحصين : يلقى .
( 2 ) . الف : - كيف يطردون . . . أطاعوا اللَّه .
( 3 ) . التحصين : أذلوهم .
( 4 ) . التحصين في صفات العارفين : 21 ح 39 عن كتاب المنبئ عن زهد النبي صلى الله عليه وآله .