ولمّا رأينا أنّها لم تصر مشتاقة تامّة إلى النّشأة الآخرة وعالم الإلهي ما دامت جاهلة بأحوالها عند الموت وبعد الموت من الرّضى والسّخط عن بارئها ، بل كانت خائفة من هول الموت وما بعد الموت ، ومع ذلك ذكرُ أحوال العارفين والعاشقين وكراماتهم من ألطاف ربّهم وتوجّهات معشوّقهم عليهم عند الموت وبعد الموت كان أشدّ تشويقاً وأبلغ تأثيراً كما ستطّلع عليها ، « 1 » قدّمناه « 2 » على سائر المشوّقات التي كانت أبطأ تأثيراً في الزّبور الثّاني كما يقتضيه الترتيب في التّأثير والعلاج ؛ ليزول عنها الخوف ويشتدّ شوقها / 4 / وعشقها سريعاً ، وقوي أقدامها على الحركة إلى المشتاق إليه تعجيلًا ، ولئلّا يدخل أيضاً في البين ما هو أنقص تأثيراً .
ثمّ قصصنا عليها أحوال العارفين والعاشقين من أبناء جنسها في حين حياتهم بصفاتهم وسماتهم وكمالاتهم ودرجاتهم في الزبور الثّالث ؛ ليتأكّد شوقها وعشقها ، وتنزجر عن نقصها وخسّتها ، ويتحرّك عرق حميّتها ، وتنافس « 3 » مع أبناء جنسها في السّبق والارتفاع في هذه الصفات والكمالات والقرب والوصال .
وإنّما أخّرناه بعد ذكر أحوالهم عند الموت وبعد الموت ، مع أنّ الترتيب في الكون والوجود يقتضي تقديمه ؛ لأجل نقص تأثيرها بالنسبة إلى ذكر أحوالهم وكراماتهم بعد الموت ؛ لئلّا يدخل الضعيف بين القويّين فيبطأ التأثير .
فلمّا رأينا أنّها صارت مشتاقة تامّة وعاشقة كاملة ، ومنزجرة عن نقصها وخسّتها ، ومتنافسة مع أبناء جنسها في السبق والارتفاع بهذه الزّبورات ، شرعنا في تعليم علوم العملية التي هي حركة النفس في الكمال من أوّلها إلى آخرها من الأحاديث المعصوميّة صلوات اللَّه عليهم أجمعين ؛ فاختصرناها اختصاراً وافياً « 4 » ، ثمّ أجملنا بعد ذلك في الخاتمة ذكر أحوال العارفين ومقاماتهم حين سلوكهم وبعد سلوكهم ، إجمالًا
هامش
( 1 ) . ب : - كما ستطّلع عليها .
( 2 ) . الف وب : قدّمناه .
( 3 ) . ب : تتنافس .
( 4 ) . ب : كافياً .