محبّته لهم أهليّته معهم من جهة طينة الأشباح وجوهر الأرواح ، وشرب محبّة الأصليّة الصفائيّة في بدء الأزل ، إذاشربتها أرواح العارفين من بحار تجلّي الذات حين عرّفها الحق نفسه بوصف خطابه صفاته ، حيث قال : « ألست بربكم » فمحّبة القوم ميراث تلك الأهليّة في سابق الحال .
[ حديث ] 134 -
وقال صلى الله عليه وسلم حين دفن إبراهيم ابنه - عليه الصلاة والسلام - : وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون « 1 » .
الحزن في مصيبة الأهل من أهليّة الجسم والروح ، كأنّه ينقطع منهما قطعة فيحزن القلب لألم الفراق ، وإن علم صاحبُها وصولها إلى الراحة صدقاً .
وأيضاً الولد فيه رِيح من أرواح الجنة ، ووقوع الحزن في القلوب من فقدانه .
وفيه أيضاً من عطر الحضرة طيب كما كان في يوسف عليه السلام كذلك حكى اللَّه تعالى عن يعقوب عليه السلام بقوله : « إنّي لأجد ريح يوسف » شوق يعقوبُ إلى يوسف وحزنُه به لما في يوسف من حسن معدن الجلال والجمال وطيب نور الوصال ، لذلك عميت عيناه لأجلها لا لأجل يوسف .
[ حديث ] 135 -
وقال صلى الله عليه وسلم : لو كان موسى حيّاً لما وَسِعَهُ إلّا اتّباعي « 2 » .
هذا من مقام الانبساط ومعرفة ما خصّ اللَّه تعالى به ، فهيّجه سلطان عزّته إلى إسقاط من يدخل بينه وبين حبيبه . ولأنّه كان صاحب الرؤية الأصليّة والخطاب من وراء الحجاب ، أي لو كان موسى حيّا لم يكن وسعه إلّا بمتابعتي لأنّي آخر الأنبياء ولانبيّ بعدي . وهذا مقام الصَّولة في الوُصلة ، ومثل ذلك قوله - عليه الصلاة والسلام : أنا سيّد ولد آدم ، وآدم ومن دونه تحت لوائي « 3 » .
هامش
( 1 ) . صحيح البخاري ، ج 2 ، ص 85 ؛ كنزالعمّال ، ج 15 ، ص 621
( 2 ) . عوالي اللئالي ، ج 4 ، ص 121 ؛ منهج الصادقين ، ج 1 ، ص 254 ؛ كنزالعمّال ، ج 1 ، ص 201
( 3 ) . الصراط المستقيم ، ج 1 ، ص 251