[ حديث ] 32 -
وقال صلى الله عليه وسلم : ولخلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك « 1 » .
خلوف فم الصائم من رائحة نسيم جلال المشاهدة الذي تَنَسَّمَه العارف من بطنان غيب القِدَم ، فإذا بلغ سرّهُ معارج القلب تعطّرت روحه بنسيم الأزل وعطر مشاهدة الأبد ، فاختلطت أنفاس الروح بذلك النسيم ، فإذا خرجت من فم الروح وصعدت إلى الملكوت طيّبت أهل سرادق الجبروت ؛ لذلك كان أطيب من ريح دم محرقٍ تطيّب به أهل الدنيا .
[ حديث ] 33 -
وقال صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته « 2 » .
فيه « رمز نبويّ » . في مطلع الحديث إيماء إلى أهل الإشارة من المكاشفين والمشاهدين جمال جلال الأزليّ تعالى ، أي إذا بدا سنا هلال المشاهدة من سماء الغيب للأرواح القدسيّة الطائرة في هواء الهويّة ، صُوموا عمّا دون مشاهدته في زمان بدء المكاشفة ووقت الإرادة . ثمّ إذا غاب عنكم ذلك الهلال في زمان امتحانها واحتجابها عن رؤية الربوبيّة بالعبوديّة ، حتى مضى عليها احتراقها في نيران الأشواق والعشق والمحبّة ، ووجدت في هذه المقامات جميع المراتب الغيبيّة ، حتى خرجت من رسوم السيران والطيران في مَهمَهِ الآزال والآباد بنعت المعرفة والنكرة والحيرة وفقدان جلال الكبرياء ، وبلغت قفار الفناء وذابت واضمحلّت في تراكم هموم المحبّة ، ثم تبدو لها أنوار قدس هلال القِدَم في مقام البقاء : أفطروا من صوم الفراق برؤية هلال الوصال .
وهذا مقام الخليل - صلوات اللَّه على نبينا وعليه - في رؤية جمال الجليل في
هامش
( 1 ) . روض الجنان وروح الجنان ، ص 454 ؛ المحجة البيضاء ، ج 2 ، ص 122 ؛ سنن الدارمي ، ج 2 ، ص 24 ؛ صحيح البخاري ، ج 8 ، ص 197 وص 212 ؛ صحيح مسلم ، ج 3 ، ص 158
( 2 ) . الناصريات ، ص 242 : الخلاف ، ج 2 ، ص 173 ؛ عوالي اللئالي ، ج 2 ، ص 233 ، بحارالأنوار ، ج 58 ، ص 356 ؛ مستدرك الحاكم ، ج 1 ، ص 425