أنّه كان عليه الصلاة والسلام في رؤية عين الأحديّة ، فتتجلّى له نعوت القهر على قدر ما تتجلّى له صفات اللطف من كنه القِدَم . اللُّطفيّات له جزاء المعرفة ، والقهريّات له جراءُ النكرة ، فيبقى تارةً بنعت المعرفة بنعمة مشاهدة الأبديّات ويغنى تارةً بنعت النكرة في بلاء الأزليّات ، لذلك قال - عليه الصلاة والسلام - :
نحن معاشر الأنبياء أشد بلاءً ثمّ الأمثل فالأمثل . أي نحن أعرف الخلق باللَّه فبلاؤنا يكون موازناً لمعرفتنا ، وبلاؤنا قلّة إدراكنا كنه عين القِدَم ، وبلاؤنا من تقصيرنا في أداء ما وجب علينا من حقوق الربوبيّة بقدر الحق ، ونحن لا نقدر على ذلك لأنّ الحدوثيّة تفنى عند بروز جلال الأحديّة . ثم أخبر عن خواصّ امّته في هذا اللفظ الذين شاهدوا الحقّ بمشاهدة الحقّ لابِهم فوجدوا آلام الهجران بقدر الوصال ، فبلا ؤهم لايوازنه بلاء جميع الخلق ، لأنّ بلاءهم بالمعرفة وبلاء الخلق بالجهل ، فجعلهم اللَّه أئمّة الهدى وقدوة أهل البلوى .
[ حديث ] 24 -
وقال صلى الله عليه وسلم : تحفة المؤمن الموتُ « 1 » .
الموتُ تحفة المشتاقين ؛ لأنّ فيه وصولهم به إلى مشاهدة ربّ العالمين ، ويستريح به من قيد بلاء العاشقين ، ويرجع به إلى معادن قرب سلاطين المحبّين .
لأنّ أرواحهم مطمئنّة بالذكر ، وقلوبهم صافية بالفكر ، وأسرارهم طاهرة بنور القدس ، وعقولهم عاشقة بقهر الانس أوّاهين بصياح الأزليّات ، مشتاقين إلى مشاهدة الأبديّات ، تلّائين بخطاب الصفات بألحان الوُصُلات .
[ حديث ] 25 -
قال ابن عباس - رضي الله عنه : إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم : دخل قبراً ليلًا فأسرج له سراج ، فأخذ من قِبَلِ القبلة فقال صلى الله عليه وآله : رحمك اللَّه ، إن كنت لَأَوّاهاً تَلّاءً للقرآن « 2 » .
هامش
( 1 ) . الدعوات للراوندي ، ص 235 ؛ تنبيه الخواطر ( مجموعهء ورام ) ، ص 268 ؛ مستدرك الحاكم ، ج 4 ، ص 319
( 2 ) . ورد مع اختلاف يسير في روض الجنان وروح الجنان ، ص 62 ؛ سنن ترمذي ، ج 2 ، ص 26 ؛ سنن كبرى ، ج 4 ، ص 55 ، فيه : « . . . لأوّاها تالياً . . . »