المشرّفة . وعن محمد بن عمر قال : « كان مالك يأتي المسجد ، فيشهد الصلوات والجمعة والجنائز ، ويعود المرضى ، ويجلس في المسجد فيجتمع إليه أصحابه ، ثم ترك الجلوس فكان يصلّي وينصرف ، وترك شهود الجنائز ، ثم ترك ذلك كلّه والجمعة ، واحتمل الناس ذلك كلّه ، وكانوا أرغب ما كانوا فيه ، وربّما كلّم في ذلك فيقول : ليس كلّ أحد يقدر أن يتكلّم بعذره » « 1 » .
ويروى أنّه كان إذا أراد أن يحدّث توضّأ وجلس على فراشه وسرّح لحيته ، وتمكّن من الجلوس بوقار وهيبة ثم حدّث ، فقيل له في ذلك ، فقال : « أحبّ أن أعظّم حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، ولا أحدّث به إلّا على طهارة متمكّنا » « 2 » . ولشدّة احترامه لحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله كان لا يأخذ الحديث من عمرو بن دينار ، ولمّا سئل عن ذلك ، قال : « أتيته ، فوجدته يأخذون عنه قياما ، فأجللت حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أن آخذه قائما » « 3 » . وكان أيضا يحتاط في نقل الحديث ، فعن الشافعي قال : « كان مالك إذا شكّ في حديث طرحه كلّه » « 4 » . وعن سعيد بن سليمان قال : قلّما سمعت مالكا يفتي بشيء إلّا تلا هذه الآية
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
« 5 » .
ويذكر أنّه كان مصاحبا لعبد اللّه بن يزيد بن هرمز ، ومتأثّرا بأفكاره ، فقد تعلّم منه أدبا رفيعا ، وهو كثرة قول : « لا أدري » . وقد سمع مالك منه مرارا أنّه كان يقول : « ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول : لا أدري ، حتّى يكون ذلك أصلا يفزعون إليه » « 6 » . وقال له عمرو بن يزيد مرة : يا أبا عبد اللّه ، يأتيك الناس من بلدان شتّى ، قد أنضوا مطاياهم ،
هامش
( 1 ) . سير أعلام النبلاء 8 : 64 ، 66 . ونقل الذهبي عن أبي مصعب قال : لم يشهد مالك الجماعة خمسا وعشرين سنة ! فقيل له : ما يمنعك ؟ قال : مخافة أن أرى منكرا فأحتاج أن أغيّره .
( 2 ) . حلية الأولياء 6 : 318 ، صفة الصفوة 2 : 178 .
( 3 ) . سير أعلام النبلاء 8 : 67 .
( 4 ) . المصدر السابق : 75 .
( 5 ) . حلية الأولياء 6 : 323 ، والآية : 32 من سورة الجاثية المباركة .
( 6 ) . سير أعلام النبلاء 8 : 77 ، مالك ، حياته وعصره : 26 .