فنكل أمرهم إلى اللّه . . . إلى آخر الكلام . فمعنى الكلام الذي تكلّم فيه الحسن : أنّه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئا أو مصيبا ، وكان يرى أنّه يرجى الأمر فيهما ، وأمّا الإرجاء الذي يتعلّق بالإيمان فلم يعرّج عليه » « 1 » .
ولكن يبدو أنّ فكرة الإرجاء في مراحلها الأولى كانت محدودة بهذه الحدود التي طرحها ودوّنها الحسن ، ثم تطوّرت في مسيرها التاريخي بالتدريج ، وظهرت - فيما بعد - لفرقة المرجئة فروع وأقسام مختلفة ؛ كسائر الفرق الأخرى ، ومن هذه الفروع :
أنّ الملاك في الفوز هو الإيمان ، وأنّ الإيمان لا يضرّه ذنب المؤمن ، كما أنّ الكفر لا ينفع مع صلاح الكافر « 2 » .
وممّا يؤيد نسبة الإرجاء إلى الحسن بالمعنى الأول : البيتان اللّذان نقلا عنه :
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه * عار عليك إذا فعلت شنيع
لو كان حبّك صادقا لأطعته * إنّ المحبّ لمن أحبّ مطيع « 3 »
حيث يشير هذا الكلام بوضوح إلى التلازم بين الإيمان والحبّ والعمل ، وهو ينفي المعنى الثاني للإرجاء . وقد أشار الشهرستاني في الملل والنحل إلى هذا أيضا ، حيث ذكر أنّ الحسن لم يؤخّر العمل عن الإيمان ، وأنّه كان يرى العمل جزء الإيمان ، وهو لا يكفّر مرتكب الكبيرة « 4 » .
وقد قام الخلفاء بحماية فكرة الإرجاء في بعدها السياسي ، ولعلّ غضب عبد اللّه بن الزبير - الذي ثار ضدّ الأمويّين - على الحسن ، وحبسه في ظروف قاسية ، كان سببه
هامش
( 1 ) . تهذيب التهذيب 2 : 277 .
( 2 ) . انظر كتاب فرهنگ فرق اسلامى : 37 ، 401 .
( 3 ) . تهذيب تاريخ دمشق 4 : 249 .
( 4 ) . الملل والنحل 1 : 144 .