فَلَمَّا ارْتَحَلَ قَالَ ابْنُ عَمْرٍو لَهُ
أَلَا يَا عَمْرُو مَا أَحْرَزْتَ نَصْراً * وَلَا أَنْتَ الْغَدَاةَ إِلَى رَشَادٍ
أَ بِعْتَ الدِّينِ بِالدُّنْيَا خَسَاراً * وَأَنْتَ بِذَاكَ مِنْ شَرِّ الْعِبَادِ -
فَانْصَرَفَ جَرِيرٌ فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُوماً وَعَلِيٌّ آوَى قَتَلَتَهُ فَإِنْ دَفَعَهُمْ إِلَيْنَا كَفَفْنَا عَنْهُ وَجَعَلْنَا هَذَا الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا جَعَلَهُ عُمَرُ عِنْدَ وَفَاتِهِ فَانْهَضُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ مَعَنَا إِلَى حَرْبِهِ فَأَجَابُوهُ بِكِتَابٍ فِيهِ
مُعَاوِيَّ إِنَّ الْحَقَّ أَبْلَجُ وَاضِحٌ * وَلَيْسَ كَمَا رَبَصْتَ أَنْتَ وَلَا عَمْرٌو « 1 »
نَصَبْتَ لَنَا الْيَوْمَ ابْنَ عَفَّانَ خُدْعَةً * كَمَا نَصَبَ الشَّيْخَانِ إِذْ زُخْرِفَ الْأَمْرُ
رَمَيْتُمْ عَلِيّاً بِالَّذِي لَمْ يَضُرَّهُ * وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَاكَ نَهْيٌ وَلَا أَمْرٌ
وَمَا ذَنْبُهُ إِنْ نَالَ عُثْمَانَ مَعْشَرٌ * أَتَوْهُ مِنَ الْأَحْيَاءِ تَجْمَعُهُمْ مِصْرٌ
وَكَانَ عَلِيٌّ لَازِماً قَعْرَ بَيْتِهِ * وَهِمَّتُهُ التَّسْبِيحُ وَالْحَمْدُ وَالذِّكْرُ
فَمَا أَنْتُمَا لَا دَرَّ دَرُّ أَبِيكُمَا * وَذِكْرُكُمُ الشُّورَى وَقَدْ وُضِعَ الْأَمْرُ
فَمَا أَنْتُمَا وَالنَّصْرَ مِنَّا وَأَنْتُمَا * طَلِيقُ أُسَارَى مَا تَبُوحُ بِهَا الْخَمْرُ -
وَجَاءَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع يَذْكُرُ فِيهِ وَكَانَ أَنْصَحَهُمْ لِلَّهِ خَلِيفَتُهُ ثُمَّ خَلِيفَةُ خَلِيفَتِهِ ثُمَّ الْخَلِيفَةُ الثَّالِثُ الْمَقْتُولُ ظُلْماً فَكُلَّهُمْ حَسَدْتَ وَعَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتَ عَرَفْنَا ذَلِكَ ثُمَّ نَظَرُكَ الشَّزْرُ وَقَوْلُكَ الْهُجْرُ وَتَنَفُّسُكَ الصُّعَدَاءَ وَإِبْطَاؤُكَ عَنِ الْخُلَفَاءِ وَفِي كُلِّ ذَلِكَ تُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَغْشُوشُ وَلَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَشَدَّ حَسَداً مِنْكَ لِابْنِ عَمِّكَ وَكَانَ أَحَقَّهُمْ أَنْ لَا تَفْعَلَ ذَلِكَ لِقَرَابَتِهِ وَفَضْلِهِ فَقَطَعْتَ رَحِمَهُ وَقَبَّحْتَ حُسْنَهُ فَأَظْهَرَتْ لَهُ الْعَدَاوَةَ وَبَطَنْتَ لَهُ بِالْغِشِّ وَأَلَّبْتَ النَّاسَ عَلَيْهِ فَقُتِلَ مَعَكَ فِي الْمَحَلَّةِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ الْهَائِعَةَ وَلَا تَدْرَأُ عَنْهُ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ . فَلَمَّا وَصَلَ الْخَوْلَانِيُّ وَقَرَأَ الْكِتَابَ عَلَى النَّاسِ قَالُوا كُلُّنَا قَاتِلُونَ وَلِأَفْعَالِهِ مُنْكِرُونَ فَكَانَ جَوَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع وَبَعْدُ فَإِنِّي رَأَيْتُ قَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَيْعَتِي ثُمَّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ أَحْمِلْكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ص وَأَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدُهَا فَإِنَّهَا خُدْعَةُ الصَّبِيِّ عَنِ اللَّبَنِ وَلَعَمْرِي لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَعَلِمْتَ أَنِّي
هامش
( 1 ) الربص : التربص .