بتنضيد لبن اللحد بشكل دقيق ومَلء الفراغات المتخلّلة بينها بالطين بدقّة ، وكانت دقّته في العمل بشكل بحيث إنّ الصحابة تعجّبوا - على ما يبدو - متسائلين عن الداعي إلى كلّ هذه الدقّة في بناء قبرٍ سوف يخرب بعد بضعة أيام !
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله مبيّناً سبب قيامه بذلك :
إنّي لَأَعلَمُ أنَّهُ سَيَبلى ، ويَصِلُ إلَيهِ البِلى ، ولكِنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ عَبداً إذا عَمِلَ عَمَلًا فَأَحكَمَهُ . « 1 »
وفي الحقيقة فإنّ هذا الكلام يمثّل رسالة هامّة إلى الامّة الإسلامية ، وسياسة إسلامية عامّة توجب على المسلمين أن يؤدّوا أعمالهم بكلّ دقّة وإحكام ، حتّى وإن كان العمل الذي يقومون به بناء بيوتٍ للموتى ! وعندما يكون الإتقان ضرورياً في بناء القبور ، فإنّ من البديهي أنّ بيوت الأحياء يجب أن تفوقها في الدقة والإحكام . « 2 »
د - القلب في تخطيط المدن الإسلامية
يعتبر المسجد ، قلب المجتمع الإسلامي وأهمّ قاعدة ثقافية وسياسية للحكومة الدينية الإسلامية . ولذلك ، فإنّ الروايات وَسَمَته بعناوين سامية وتذكيرية ، مثل :
« بيت اللَّه » « 3 » « مجلس الأنبياء » « 4 » ، « بيت المتّقين » « 5 » « أفضل الأمكنة » « 6 » ، و « روضة من
هامش
( 1 ) . علل الشرائع : ص 310 ح 4 ، الأمالي للصدوق : ص 468 ح 623 كلاهما عن عبداللَّه بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام .
( 2 ) . عندما رأيت خلال سفري إلى بعض البلدان الأوروبية قبل فترة ، بعض البنايات المستخدَمة أكثر من ثلاثمئة ، أو أربعمئة سنة ، وقارنتها مع البنايات في بلادنا ، حيث لا تتجاوز أعمارها خمسين عاماً على ما يقال ، تذكّرت هذه الروايات ، وتأسّفت على ذلك لأنّنا نعيش هذه الأوضاع رغم امتلاكنا لكلّ هذه الثروات الثقافية الهائلة .
( 3 ) . راجع : رسالة المسجد : ص 19 ( فضل المسجد / بيت اللَّه ) .
( 4 ) . راجع : رسالة المسجد : ص 20 ( فضل المسجد / مجلس الأنبياء ) .
( 5 ) . راجع : رسالة المسجد : ص 20 ( فضل المسجد / بيت كلّ تقي ) .
( 6 ) . راجع : رسالة المسجد : ص 21 ( فضل المسجد / خير البقاع ) .