ثُمَّ قالَ لَهُ مِن أيِّ مُحِبّينا أنتَ ؟ فَسَكَتَ الرَّجُلُ ، فَقالَ لَهُ سَديرٌ : وكَم مُحِبّوكُم يَابنَ رَسولِ اللَّهِ ؟
فَقالَ : عَلى ثَلاثِ طَبَقاتٍ : طَبَقَةٍ أحَبّونا فِي العَلانِيَةِ ولَم يُحِبّونا فِي السِّرِّ ، وطَبَقَةٍ يُحِبّونا فِي السِّرِّ ولَم يُحِبّونا فِي العَلانِيَةِ ، وطَبَقَةٍ يُحِبّونا فِي السِّرِّ وَالعَلانِيَةِ ، هُمُ النَّمَطُ « 1 » الأَعلى ، شَرِبوا مِنَ العَذبِ الفُراتِ ، وعَلِموا تَأويلَ الكِتابِ وفَصلَ الخِطابِ وسَبَبَ الأَسبابِ ، فَهُمُ النَّمَطُ الأَعلى ، الفَقرُ وَالفاقَةُ وأنواعُ البَلاءِ أسرَعُ إلَيهِم مِن رَكضِ الخَيلِ ، مَسَّتهُمُ البَأساءُ وَالضَّرّاءُ وزُلزِلوا وفُتِنوا ، فَمِن بَينِ مَجروحٍ ومَذبوحٍ ، مُتَفَرِّقينَ في كُلِّ بِلادٍ قاصِيَةٍ ، بِهِم يَشفِي اللَّهُ السَّقيمَ ويُغنِي العَديمَ ، وبِهِم تُنصَرونَ ، وبِهِم تُمطَرونَ ، وبِهِم تُرزَقونَ ، وهُمُ الأَقَلّونَ عَدَداً ، الأَعظَمونَ عِندَ اللَّهِ قَدراً وخَطَراً .
وَالطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ النَّمَطُ الأَسفَلُ ، أحَبّونا فِي العَلانِيَةِ وساروا بِسيرَةِ المُلوكِ ، فَأَلسِنَتُهُم مَعَنا وسُيوفُهُم عَلَينا .
وَالطَّبَقَةُ الثّالِثَةُ النَّمَطُ الأَوسَطُ ، أحَبّونا فِي السِّرِّ ولَم يُحِبّونا فِي العَلانِيَةِ ، ولَعَمري لَئِن كانوا أحَبّونا فِي السِّرِّ دونَ العَلانِيَةِ ، فَهُمُ الصَّوّامونَ بِالنَّهارِ ، القَوّامونَ بِاللَّيلِ ، تَرى أثَرَ الرَّهبانِيَّةِ في وُجوهِهِم ، أهلُ سِلمٍ وَانقِيادٍ .
قالَ الرَّجُلُ : فَأَنَا مِن مُحِبّيكُم فِي السِّرِّ وَالعَلانِيَةِ .
قالَ جَعفَرٌ عليه السلام : إنَّ لِمُحِبّينا فِي السِّرِّ وَالعَلانِيَةِ عَلاماتٍ يُعرَفونَ بِها . قالَ الرَّجُلُ :
وما تِلكَ العَلاماتُ ؟
قالَ عليه السلام : تِلكَ خِلالٌ أوَّلُها أنَّهُم عَرَفُوا التَّوحيدَ حَقَّ مَعرِفَتِهِ ، وأحكَموا عِلمَ تَوحيدِهِ ، وَالإِيمانُ بَعدَ ذلِكَ بِما هُوَ وما صِفَتُهُ . ثُمَّ عَلِموا حُدودَ الإِيمانِ وحَقائِقَهُ وشُروطَهُ وتَأويلَهُ . قالَ سَديرٌ : يَابنَ رَسولِ اللَّهِ ما سَمِعتُكَ تَصِفُ الإِيمانَ بِهذِهِ الصِّفَةِ .
هامش
( 1 ) . النَّمَطُ : الصنف والنوع ( المصباح المنير : ص 626 « نمط » ) .