وَالمُؤمِنِ ، أنَّ المُسلِمَ إنَّما يَكونُ مُؤمِناً أن يَكونَ مُطيعاً فِي الباطِنِ مَعَ ما هُوَ عَلَيهِ فِي الظّاهِرِ ، فَإِذا فَعَلَ ذلِكَ بِالظّاهِرِ كانَ مُسلِماً ، وإذا فَعَلَ ذلِكَ بِالظّاهِرِ وَالباطِنِ بِخُضوعٍ وتَقَرُّبٍ بِعِلمٍ كانَ مُؤمِناً ، فَقَد يَكونُ العَبدُ مُسلِماً ولا يَكونُ مُؤمِناً إلّاوهُوَ مُسلِمٌ .
ج - صِفَةُ الخُروجِ مِنَ الإِيمانِ
وقَد يَخرُجُ مِنَ الإِيمانِ بِخَمسِ جِهاتٍ مِنَ الفِعلِ ، كُلُّها مُتَشابِهاتٌ مَعروفاتٌ : الكُفرُ ، وَالشِّركُ ، وَالضَّلالُ ، وَالفِسقُ ، ورُكوبُ الكَبائِرِ .
فَمَعنَى الكُفرِ كُلُّ مَعصِيَةٍ عَصَى اللَّهَ بِها بِجِهَةِ الجَحدِ وَالإِنكارِ وَالاستِخفافِ وَالتَّهاوُنِ في كُلِّ ما دَقَّ وجَلَّ ، وفاعِلُهُ كافِرٌ ، ومَعناهُ مَعنى كُفرٍ مِن أيِّ مِلَّةٍ كانَ ومِن أيِّ فِرقَةٍ كانَ ، بَعدَ أن تَكونَ مِنهُ مَعصِيَةٌ بِهذِهِ الصِّفاتِ فَهُوَ كافِرٌ .
ومَعنَى الشِّركِ كُلُّ مَعصِيَةٍ عَصَى اللَّهَ بِها بِالتَّدَيُّنِ فَهُوَ مُشرِكٌ صَغيرَةً كانَتِ المَعصِيَةُ أو كَبيرَةً ، فَفاعِلُها مُشرِكٌ .
ومَعنَى الضَّلالِ الجَهلُ بِالمَفروضِ ، وهُوَ أن يَترُكَ كَبيرَةً مِن كبائِرِ الطَّاعَةِ الَّتي لا يَستَحِقُّ العَبدُ الإِيمانَ إلّابِها بَعدَ وُرودِ البَيانِ فيها وَالاحتِجاجِ بِها ، فَيَكونُ التّارِكُ لَها تارِكاً بِغَيرِ جِهَةِ الإِنكارِ ، وَالتَّدَيُّنِ بِإِنكارِها وجُحودِها ولكِن يَكونُ تارِكاً عَلى جِهَةِ التَّواني وَالإِغفالِ وَالاشتِغالِ بِغَيرِها ، فَهُوَ ضالٌّ مُتَنَكِّبٌ عَن طَريقِ الإِيمانِ ، جاهِلٌ بِهِ خارِجٌ مِنهُ ، مُستَوجِبٌ لِاسمِ الضَّلالَةِ ومَعناها ما دامَ بِالصِّفَةِ الَّتي وَصَفناهُ بِها ، فَإِن كانَ هُوَ الَّذي مالَ بِهَواهُ إلى وَجهٍ مِن وُجوهِ المَعصِيَةِ بِجِهَةِ الجُحودِ وَالاستِخفافِ وَالتَّهاوُنِ كَفَرَ ، وإن هُوَ مالَ بِهَواهُ إلَى التَّدَيُّنِ بِجِهَةِ التَّأويلِ وَالتَّقليدِ وَالتَّسليمِ وَالرِّضا بِقَولِ الآباءِ وَالأَسلافِ فَقَد أشرَكَ ، وقَلَّما يَلبَثُ الإِنسانُ عَلى ضَلالَةٍ حَتّى يَميلَ بِهَواهُ إلى بَعضِ ما وَصَفناهُ مِن صِفَتِهِ .