وخُضرَةِ الدُّنيا ، إلى مَنابِتِ الشّيحِ « 1 » ، ومَهافِي الرّيحِ ، ونَكَدِ المَعاشِ ، فَتَرَكوهُم عالَةً مَساكينَ ، إخوانَ دَبَرٍ ووَبَرٍ ، أذَلَّ الامَمِ داراً ، وأجَدَبَهُم قَراراً ، لا يَأوونَ إلى جَناحِ دَعوَةٍ يَعتَصِمونَ بِها ، ولا إلى ظِلِّ الفَةٍ يَعتَمِدونَ عَلى عِزِّها . فَالأَحوالُ مُضطَرِبَةٌ ، وَالأَيدي مُختَلِفَةٌ ، وَالكَثرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ ؛ في بَلاءِ أزلٍ ، وأطباقِ جَهلٍ ، مِن بَناتٍ مَوؤودَةٍ ، وأصنامٍ مَعبودَةٍ ، وأرحامٍ مَقطوعَةٍ ، وغاراتٍ مَشنونَةٍ .
فَانظُروا إلى مَواقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيهِم حينَ بَعَثَ إلَيهِم رَسولًا ، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طاعَتَهُم ، وجَمَعَ عَلى دَعوَتِهِ الفَتَهُم ، كَيفَ نَشَرَتِ النِّعمَةُ عَلَيهِم جَناحَ كَرامَتِها ، وأسالَت لَهُم جَداوِلَ نَعيمِها ، وَالتَفَّتِ المِلَّةُ بِهِم في عَوائِدِ بَرَكَتِها ، فَأَصبَحوا في نِعمَتِها غَرِقينَ ، وفي خُضرَةِ عَيشِها فَكِهينَ . قَد تَرَبَّعَتِ الامورُ بِهِم في ظِلِّ سُلطانٍ قاهِرٍ ، وآوَتهُمُ الحالُ إلى كَنَفِ عِزٍّ غالِبٍ ، وتَعَطَّفَتِ الامورُ عَلَيهِم في ذُرى مُلكٍ ثابِتٍ ، فَهُم حُكّامٌ عَلَى العالَمينَ ، ومُلوكٌ في أطرافِ الأَرَضينَ ، يَملِكونَ الامورَ عَلى مَن كانَ يَملِكُها عَلَيهِم ، ويُمضونَ الأَحكامَ فيمَن كانَ يُمضيها فيهِم ! لا تُغمَزُ لَهُم قَناةٌ ، ولا تُقرَعُ لَهُم صَفاةٌ « 2 » ! « 3 »
2 / 2 الظُّلمُ
الكتاب
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
. « 4 »
هامش
( 1 ) . الشِّيحُ : نبت بالبادية معروف ( مجمع البحرين : ج 2 ص 997 « شيح » ) .
( 2 ) . لا تُقرَع لهم صفاة : أي لا يَنالُهم أحد بسوء ( النهاية : ج 3 ص 41 « صفا » ) .
( 3 ) . نهج البلاغة : الخطبة 192 ، بحار الأنوار : ج 14 ص 472 ح 37 .
( 4 ) . الأنعام : 82 .