وتَشاحُنِ « 1 » الصُّدورِ ، وتَدابُرِ النُّفوسِ ، وتَخاذُلِ الأَيدي .
وتَدَبَّروا أحوالَ الماضينَ مِنَ المُؤمِنينَ قَبلَكُم ، كَيفَ كانوا في حالِ التَّمحيصِ وَالبَلاءِ ، ألَم يَكونوا أثقَلَ الخَلائِقِ أعباءً ، وأجَهَدَ العِبادِ بَلاءً ، وأضيَقَ أهلِ الدُّنيا حالًا ؟ ! اتَّخَذَتهُمُ الفَراعِنَةُ عَبيداً ، فَساموهُم سوءَ العَذابِ ، وجَرَّعوهُمُ المُرارَ ، فَلَم تَبرَحِ الحالُ بِهِم في ذُلِّ الهَلَكَةِ وقَهرِ الغَلَبَةِ ، لا يَجِدون حيلَةً فِي امتناعٍ ، ولا سَبيلًا إلى دِفاعٍ .
حَتّى إذا رَأى اللَّهُ سُبحانَهُ جِدَّ الصَّبرِ مِنهُم عَلَى الأَذى في مَحَبَّتِهِ ، وَالاحتِمالَ لِلمَكروهِ مِن خَوفِهِ ، جَعَلَ لَهُم مِن مَضايِقِ البَلاءِ فَرَجاً ، فَأَبدَلَهُمُ العِزَّ مَكانَ الذُّلِّ ، وَالأَمنَ مَكانَ الخَوفِ ، فَصاروا مُلوكاً حُكّاماً ، وأئِمَّةً أعلاماً ، وقَد بَلَغَتِ الكَرامَةُ مِنَ اللَّهِ لَهُم ما لَم تَذهَبِ الآمالُ إلَيهِ بِهِم .
فَانظُروا كَيفَ كانوا حَيثُ كانَتِ الأَملاءُ مُجتَمِعَةً ، وَالأَهواءُ مُؤتَلِفَةً ، وَالقُلوبُ مُعتَدِلَةً ، وَالأَيدي مُتَرادِفَةً ، وَالسُّيوفُ مُتناصِرَةً ، وَالبَصائِرُ نافِذَةً ، وَالعَزائِمُ واحِدَةً . ألَم يَكونوا أرباباً في أقطارِ الأَرَضينَ ، ومُلوكاً عَلى رِقابِ العالَمينَ ؟ ! فَانظُروا إلى ما صاروا إلَيهِ في آخِرِ امورِهِم ، حينَ وَقَعَتِ الفُرقَةُ ، وتَشَتَّتَتِ الالفَةُ ، وَاختَلَفَتِ الكَلِمَةُ وَالأَفئِدَةُ ، وتَشَعَّبوا مُختَلِفينَ ، وتَفَرَّقوا مُتَحارِبينَ ، قَد خَلَعَ اللَّهُ عَنهُم لِباسَ كَرامَتِهِ ، وسَلَبَهُم غَضارَةَ نِعمَتِهِ ، وبَقِيَ قَصَصُ أخبارِهِم فيكُم عِبَراً لِلمُعتَبِرينَ .
فَاعتَبِروا بِحالِ وَلَدِ إسماعيلَ وبَني إسحاقَ وبَني إسرائيلَ عليهم السلام ، فَما أشَدَّ اعتِدالَ الأَحوالِ ، وأقرَبَ اشتِباهَ الأَمثالِ ! تَأَمَّلوا أمرَهُم في حالِ تَشَتُّتِهِم وتَفَرُّقِهِم ، لَيالِيَ كانَتِ الأَكاسِرَةُ وَالقَياصِرَةُ أرباباً لَهُم ، يَحتازونَهُم « 2 » عَن ريفِ الآفاقِ ، وبَحرِ العِراقِ ،
هامش
( 1 ) . الشَّحناءُ : الحِقد ، العدواة ( لسان العرب : ج 13 ص 234 « شحن » ) .
( 2 ) . تَحوَّزَ : أي تنحّى ( النهاية : ج 1 ص 460 « حوز » ) .