واجِبِ حَقِّهِ عَلَيهِم ، وَالإِقرارِ بِكُلِّ ما ذُكِرَ مِن تَصَرُّفِ الحالاتِ بِهِ وبِهِم ، ثُمَّ قالَ :
أنتَ أميرُنا ونَحنُ رَعِيَّتُكَ ، بِكَ أخرَجَنَا اللَّهُ عز وجل مِنَ الذُّلِّ ، وبإعزازِكَ أطلَقَ عِبادَهُ مِن الغِلِّ ، فَاختَر عَلَينا وأمضِ اختِيارَكَ ، وَائتَمِر فَأَمضِ ائتِمارَكَ « 1 » ، فَإِنَّكَ القائِلُ المُصَدَّقُ ، وَالحاكِمُ المُوَفَّقُ ، وَالمَلِكُ المُخَوَّلُ ، لا نَستَحِلُّ في شَيءٍ مَعصِيَتَكَ ، ولا نَقيسُ عِلماً بِعِلمِكَ ، يَعظُمُ عِندَنا في ذلِكَ خَطَرُكَ ، ويَجِلُّ عَنهُ في أنفُسِنا فَضلُكَ .
فَأَجابَهُ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام فَقالَ : إنَّ مِن حَقِّ مَن عَظُمَ جَلالُ اللَّهِ في نَفسِهِ وجَلَّ مَوضِعُهُ مِن قَلبِهِ ، أن يَصغُرَ عِندَهُ - لِعِظَمِ ذلِكَ - كُلُّ ما سِواهُ ، وإنَّ أحَقَّ مَن كانَ كذلِكَ لَمَن عَظُمَت نِعمَةُ اللَّهِ عَلَيهِ ولَطُفَ إحسانُهُ إلَيهِ ، فَإِنَّهُ لَم تَعظُم نِعمَةُ اللَّهِ عَلى أحَدٍ إلّازادَ حَقُّ اللَّهِ عَلَيهِ عِظَماً . وإنَّ مِن أسخَفِ حالاتِ الوُلاةِ عِندَ صالِحِ النّاسِ ، أن يُظَنَّ بِهِم حُبُّ الفَخرِ ، ويوضَعَ أمرُهُم عَلَى الكِبرِ ، وقَد كَرِهتُ أن يَكونَ جالَ في ظَنِّكُم أنّي احِبُّ الإِطراءَ « 2 » وَاستِماعَ الثَّناءِ ، ولَستُ بِحَمدِ اللَّهِ كذلِكَ ، وَلَو كُنتُ احِبُّ أن يُقالَ ذلِكَ لَتَرَكتُهُ انحِطاطاً للَّهِ سُبحانَهُ عَن تَناوُلِ ما هُوَ أحَقُّ بِهِ مِنَ العَظَمَةِ وَالكِبرياءِ ، ورُبَّما استَحلَى النّاسُ الثَّناءَ بَعدَ البَلاءِ ، فَلا تُثنوا عَلَيَّ بِجَميلِ ثَناءٍ لِإِخراجي نَفسي إلَى اللَّهِ وإلَيكُم مِنَ البَقِيَّةِ في حُقوقٍ لَم أفرُغ من أدائِها ، وفَرائِضَ لابُدَّ مِن إمضائِها ، فَلا تُكَلِّموني بِما تُكَلَّمُ بِهِ الجَبابِرَةُ ، ولا تَتَحَفَّظوا مِنّي بِما يُتَحَفَّظُ بِهِ عِندَ أهلِ البادِرَةِ ، ولا تُخالِطوني بِالمُصانَعَةِ ، ولا تَظُنّوا بِيَ استثِقالًا في حَقّ قيلَ
هامش
( 1 ) . ائتَمَر : أي شاور نفسه وارتأى قبل مواقعة الأمر ، وقيل : المؤتَمِر : الذي يهمّ بأمرٍ يفعله ( النهاية : ج 1 ص 66 « أمر » ) .
( 2 ) . أطريت فلاناً : مدحته بأحسن ما فيه ، وقيل : بالغت في مدحه وجاوزت الحدّ ( المصباح المنير : ص 372 « طرو » ) .