ففي الخطبة القاصعة للإمام عليّ عليه السلام يفصّل الحديث عن هذه البركة ، وبنظرة تاريخيّة تحليليّة هامّة يرى أنّ ما حقَّقه دعاة الحقّ من انتصار وعزّة وسيادة إنَّما يعود إلى ما بينهم من الفة ووحدة كلمة ، وما أصيبوا به من هزائم وذلّة وضعف إنّما كان بسبب ما حلّ بهم من فرقة واختلاف . ثمّ يشير إلى ما حقّقه الإسلام من انتصار بقيادة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله ، فيقول :
فَانظُروا إلى مَواقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيهِم حينَ بَعَثَ إلَيهِم رَسولًا ، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طاعَتَهُم ، وجَمَعَ عَلى دَعوَتِهِ الفَتَهُم ، كَيفَ نَشَرَتِ النِّعمَةُ عَلَيهِم جَناحَ كَرامَتِها ، وأسالَت لَهُم جَداوِلَ نَعيمِها ، وَالتَفَّتِ المِلَّةُ بِهِم في عَوائِدِ بَرَكَتِها ، فَأَصبَحوا في نِعمَتِها غَرِقينَ ، وفي خُضرَةِ عَيشِها فَكِهينَ . « 1 »
من هنا كانت أهمّ مسؤوليّات قادة الثقافة ورجال السياسة في المجتمعات الإسلاميّة ، التخطيط لتقارب القلوب وتآلفها أكثر فأكثر .
لقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله نفسه يعير أهمّية فائقة لهذا الأمر ، حتّى جاء في الرواية :
كانَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يُقبِلُ بِوَجهِهِ وحَديثِهِ عَلى أشَرِّ القَومِ ؛ يَتَأَلَّفُهُم بِذلِكَ . « 2 »
ومتى ما أنفذ رجلًا إلى قوم ، كانت إحدى توصياته الأكيدة أن يسعى لتأليف القلوب . وقد واصل الإمام عليّ عليه السلام هذا الطريق حتّى قال :
ولَيسَ رَجُلٌ - فَاعلَم - أحرَصَ عَلى جَماعَةِ امَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله والفَتِها مِنّي . « 3 »
وإليكم النصوص الّتي استقينا منها هذه الخلاصة .
هامش
( 1 ) . راجع : ص 253 ح 3007 .
( 2 ) . الشمائل المحمّدية : ص 186 ح 339 عن عمرو بن العاص .
( 3 ) . راجع : ص 256 ح 3009 .