تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة العقائد الإسلامية — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
وأقبَحُ وأبشَعُ لَو خَرَجَ المَولودُ مِن بَطنِ امِّهِ ، وهُوَ يَعقِلُ أن يَرى مِنها ما لا يَحِلُّ لَهُ ولا يُحسِنُ بِهِ أن يَراهُ ، أفَلا تَرى كَيفَ اقيمَ كُلُّ شَيءٍ مِنَ الخِلقَةِ عَلى غايَةِ الصَّوابِ وخَلا مِنَ الخَطَا دَقيقُهُ وجَليلُهُ ؟ ! تَأَمَّلِ الآنَ - يا مُفَضَّلُ - ما سُتِرَ عَنِ الإِنسانِ عِلمُهُ مِن مُدَّةِ حَياتِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَو عَرَفَ مِقدارَ عُمُرِهِ وكانَ قَصيرَ العُمُرِ لَم يَتَهَنَّأ بِالعَيشِ مَعَ تَرَقُّبِ المَوتِ وتَوَقُّعِهِ لِوَقتٍ قَد عَرَفَهُ ، بَل كانَ يَكونُ بِمَنزِلَةِ مَن قَد فَني مالُهُ أو قارَبَ الفَناءَ فَقَدِ استَشعَرَ الفَقرَ وَالوَجَلَ مِن فَناءِ مالِهِ وخَوفِ الفَقرِ ، عَلى أنَّ الَّذي يَدخُلُ عَلَى الإِنسانِ مِن فَناءِ العُمُرِ أعظَمُ مِمّا يَدخُلُ عَلَيهِ مِن فَناءِ المالِ ؛ لِأَنَّ مَن يَقِلُّ مالُهُ يَأمُلُ أن يُستَخلَفَ مِنهُ فَيَسكُنَ إلى ذلِكَ ، ومَن أيقَنَ بِفَناءِ العُمُرِ استَحكَمَ عَلَيهِ اليَأسُ وإن كانَ طَويلَ العُمُرِ ، ثُمَّ عَرَفَ ذلِكَ وَثِقَ بِالبَقاءِ وَانهَمَكَ فِي اللَّذّاتِ وَالمَعاصي ، وعَمِلَ عَلى أنَّهُ يَبلُغُ مِن ذلِكَ شَهوَتَهُ ، ثُمَّ يَتوبُ في آخِرِ عُمُرِهِ ، وهذا مَذهَبٌ لا يَرضاهُ اللَّهُ مِن عِبادِهِ ولا يَقبَلُهُ . . . فَإِن قُلتَ : أوَلَيسَ قَد يُقيمُ الإِنسانُ عَلَى المَعصِيَةِ حيناً ، ثُمَّ يَتوبُ فَتُقبَلُ تَوبَتُهُ ؟ ! قُلنا : إنَّ ذلِكَ شَيءٌ يَكونُ مِنَ الإِنسانِ لِغَلَبَةِ الشَّهَواتِ وتَركِهِ مُخالَفَتَها مِن غَيرِ أن يُقَدِّرَها في نَفسِهِ ويَبنِيَ عَلَيهِ أمرَهُ فَيَصفَحُ اللَّهُ عَنهُ ويَتَفَضَّلُ عَلَيهِ بِالمَغفِرَةِ ، فَأَمّا مَن قَدَّرَ أمرَهُ عَلى أن يَعصِيَ ما بَدا لَهُ ، ثُمَّ يَتوبَ آخِرَ ذلِكَ فَإِنَّما يُحاوِلُ خَديعَةَ مَن لا يُخادَعُ بِأَن يَتَسَلَّفَ التَّلَذُّذَ فِي العاجِلِ ويَعِدَ ويُمَنِّيَ نَفسَهُ التَّوبَةَ فِي الآجِلِ ، ولِأَنَّهُ لا يَفي بِما يَعِدُ مِن ذلِكَ فَإِنَّ النُّزوعَ مِنَ التَّرَفُّهِ وَالتَّلَذُّذِ ومُعاناةِ التَّوبَةِ - ولا سِيَّما عِندَ الكِبَرِ وضَعفِ البَدَنِ - أمرٌ صَعبٌ ، ولا يُؤمَنُ عَلَى الإِنسانِ مَعَ مُدافَعَتِهِ بِالتَّوبَةِ أن يُرهِقَهُ المَوتُ فَيَخرُجَ مِنَ الدُّنيا غَيرَ تائِبٍ ، كَما قَد يَكونُ عَلَى الواحِدِ دَينٌ إلى أجَلٍ
موسوعة العقائد الإسلامية — صفحة 392 | محمد الريشهري