1135 . الإمام الصادق عليه السلام - لِلمُفَضَّلِ بنِ عُمَرَ - : ولَو كانَ المَولودُ يولَدُ فَهِماً عاقِلًا لأَنكَرَ العالَمَ عِندَ وِلادَتِهِ ، ولَبَقِيَ حَيرانَ تائِهَ العَقلِ إذا رَأى ما لَم يَعرِف ، ووَرَدَ عَلَيهِ ما لَم يَرَ مِثلَهُ مِنِ اختِلافِ صُوَرِ العالَمِ مِنَ البَهائِمِ وَالطَّيرِ إلى غَيرِ ذلِكَ ، مِمّا يُشاهِدُهُ ساعَةً بَعدَ ساعَةٍ ويَوماً بَعدَ يَومٍ ، وَاعتَبِر ذلِكَ بِأَنَّ مَن سُبِيَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ، وهُوَ عاقِلٌ يَكونُ كَالوالِهِ الحَيرانِ ، فَلا يُسرِعُ في تَعَلُّمِ الكَلامِ وقَبولِ الأَدَبِ ، كَما يُسرِعُ الَّذي يُسبى صَغيراً غَيرَ عاقِلٍ ، ثُمَّ لَو وُلِدَ عاقِلًا كانَ يَجِدُ غَضاضَةً إذا رَأى نَفسَهُ مَحمولًا مُرضَعاً مُعَصَّباً بِالخِرَقِ مُسَجّىً فِي المَهدِ ؛ لِأَنَّهُ لا يَستَغني عَن هذا كُلِّهِ لِرِقَّةِ بَدَنِهِ ورُطوبَتِهِ حينَ يولَدُ ، ثُمَّ كانَ لا يوجَدُ لَهُ مِنَ الحَلاوَةِ وَالوَقعِ مِنَ القُلوبِ ما يوجَدُ لِلطِّفلِ ، فَصارَ يَخرُجُ إلَى الدُّنيا غَبِيّاً غافِلًا عَمّا فيهِ أهلُهُ فَيَلقَى الأَشياءَ بِذِهنٍ ضَعيفٍ ومَعرِفَةٍ ، ناقِصَةٍ ثُمَّ لا يَزالُ يَتَزايَدُ فِي المَعرِفَةِ قَليلًا قَليلًا وشَيئاً بَعدَ شَيءٍ وحالًا بَعدَ حالٍ ، حَتّى يَألَفَ الأَشياءَ ويَتَمَرَّنَ ويَستَمِرَّ عَلَيها ، فَيَخرُجُ مِن حَدِّ التَّأَمُّلِ لَها وَالحَيرَةِ فيها إلَى التَّصَرُّفِ وَالاضطِرابِ إلَى المَعاشِ بِعَقلِهِ وحيلَتِهِ ، وإلَى الاعتِبارِ والطّاعَةِ وَالسَّهوِ وَالغَفلَةِ وَالمَعصِيَةِ .
وفي هذا أيضاً وُجوهٌ اخَرُ ؛ فَإِنَّهُ لَو كانَ يولَدُ تامَّ العَقلِ مُستَقِلّاً بِنَفسِهِ ، لَذَهَبَ مَوضِعُ حَلاوَةِ تَربِيَةِ الأَولادِ وما قُدِّرَ أن يَكونَ لِلوالِدَينِ فِي الاشتِغالِ بِالوَلَدِ مِنَ المَصلَحَةِ ، وما يوجِبُ تَربِيَةً لِلآباءِ عَلَى الأَبناءِ مِنَ المُكَلَّفاتِ بِالبِرِّ وَالعَطفِ عَلَيهِم عِندَ حاجَتِهِم إلى ذلِكَ مِنهُم ، ثُمَّ كانَ الأَولادُ لا يَألَفُونَ آباءَهُم ولا يَألَفُ الآباءُ أبنَاءَهُم ؛ لِأَنَّ الأَولادَ كانوا يَستَغنونَ عَن تَربِيَةِ الآباءِ وحِياطَتِهِم فَيَتَفَرَّقونَ عَنهُم حينَ يولَدونَ ، فَلا يَعرِفُ الرَّجُلُ أباهُ وامَّهُ ، ولا يَمتَنِعُ مِن نِكاحِ امِّهِ واختِهِ وذَواتِ المَحارِمِ مِنهُ إذا كانَ لا يَعرِفُهُنَّ ، وأقَلُّ ما في ذلِكَ مِنَ القَباحَةِ ، بَل هُوَ أشنَعُ وأعظَمُ وأفظَعُ
موسوعة العقائد الإسلامية — صفحة 391
مساهمون: محمد الريشهري
ص٣٩١