وممّا يسترعي الانتباه في هذا المجال هو ما روي عن الإمام علي عليه السلام فيما يخصّ هذا التقسيم ، حيث روي عنه أنّه قال بشأن العلم :
« العِلمُ عِلمانِ ؛ مَطبوعٌ ومَسموعٌ ، ولا يَنفَعُ المَسموعُ إذا لَم يَكُنِالمَطبوعُ » . « 1 »
والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو : ما العقل والعلم المطبوع ؟ وبِمَ يختلف عن العقل والعلم المسموع ؟ ولماذا لا ينفع الإنسان عقل التجربة والعلم المسموع إذا لم يكن العقل والعلم المطبوع ؟
والجواب هو : الظاهر أنّ المراد من العقل والعلم المطبوع هو مجموعة المعارف التي أودعها اللَّه عز وجل في طبيعة كلّ إنسان ؛ ليعثر بواسطتها على الطريق الذي يقوده إلى الكمال ، ويسير بها على طريق الغاية النهائية لعالم الخلقة . وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه المعارف الفطرية بإلهام الفجور والتقوى ، وذلك في قوله :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
. « 2 »
وهو ما يسمّى اليوم بالوجدان الأخلاقي .
يعتبر عقل الطبع أو الوجدان الأخلاقي مبدأ للإدراك ، وفي الوقت ذاته كمبدأ للحفز ، ولو قُدّر له الانبعاث والتنامي على أساس تعاليم الأنبياء ليتسنّى للإنسان الاستفادة من سائر المعارف التي اختزنها عن طريق الدراسة والتجربة ، ولتيسّر له تحقيق الحياة الإنسانية الطيّبة التي يصبو إليها . أمّا إذا مات عقل الطبع على أثر اتّباع الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية ، فلا تنفع الإنسان عند ذاك أيّ معرفة في إيصاله إلى الحياة المنشودة ، مثلما ورد في كلام أمير المؤمنين عليه السلام الذي شبّه فيه عقل الطبع بالعين ، وعقل التجربة بالشمس . ولا شكّ في أنّ رؤية الحقائق تستلزم وجود
هامش
( 1 ) . راجع : ج 2 ص 22 ح 1284 .
( 2 ) . الشمس : 7 و 8 .