إنّ الإنسان قادر بطبيعته على تفعيل فكره لكشف أسرار الطبيعة ، غير أنّ إحياء العقل لمعرفة الكمال المطلق والتخطيط في سبيل الانطلاق على مسار الغاية العليا للإنسانية لا يتيسّر إلّاللأنبياء .
وكلّ ما ورد في الكتاب والسنّة عن العقل والجهل وعن صفات العقل وخصائصه وآثاره وأحكامه إنّما يختصّ بهذا المعنى من معاني العقل .
وحينما يبلغ الإنسان أسمى مراتب الحياة العقلية في ضوء تعاليم الأنبياء ، تتبلور لديه معرفة وبصيرة لا يجد الخطأ إليها سبيلًا ، وتبقى ملازمة له إلى حين بلوغه ذروة الكمال الإنساني . وفي هذا المعنى قال أمير المؤمنين عليه السلام :
قَد أَحيا عَقلَهُ ، وأَماتَ نَفسَهُ ، حَتّى دَقَّ جَليلُهُ ، ولَطُفَ غَليظُهُ ، وبَرَقَ لَهُ لامِعٌ كَثيرُ البَرقِ ؛ فَأَبانَ لَهُ الطَّريقَ ، وسَلَكَ بِهِ السَّبيلَ ، وتَدافَعَتهُ الأَبوابُ إِلى بابِ السَّلامَةِ ودارِ الإِقامَةِ ، وثَبَتَت رِجلاهُ بِطُمَأنينَةِ بَدَنِهِ في قَرارِ الأَمنِ وَالرّاحَةِ بِمَا استَعمَلَ قَلبَهُ وأَرضى رَبَّهُ . « 1 »
وبناءً على هذا ، وانطلاقاً من التعريف الذي يأتي في معنى العلم الحقيقي والحكمة الحقيقية « 2 » ، يتّضح لدينا أنّ النصوص الإسلامية طرحت ثلاث مفردات هي :
العلم والحكمة والعقل ، للتعبير عن قوّة نورانية باطنية بنّاءة في وجود الإنسان ، وهذه القوّة تُسمّى ب « نور العلم » من حيث إنّها تقود الإنسان إلى التكاملالمادّي والمعنوي ، وتُسمّى ب « الحكمة الحقيقية » من حيث ما تتّسم به من تماسك وابتعاد عن الخطأ ، وتسمّى من ناحية أخرى ب « العقل » من حيث يدفع الإنسان إلى فعل الخير ويمنعه عن الانزلاق فكراً وعملًا ، ويمكن البرهنة على هذا الزعم بكلّ جلاء
هامش
( 1 ) . راجع : ص 297 ح 647 .
( 2 ) . راجع : ج 2 ص 21 « الفصل الأول : حقيقة العلم » .