وعلى أيّ حال ، فقد كان لمراسم العزاء في هذا العصر نطاق واسع ملفت للنظر ، وعلى سبيل المثال ، فقد وصلتنا من بين الوثائق الحكوميّة للدولة العثمانيّة تقارير عن شعائر العزاء التي كانت تقيمها الفرقة البكتاشية « 1 » في يوم عاشوراء ، رغم كلّ التشدّد الذي كانت تمارسه هذه الدولة . « 2 » وكان الشيعة في العراق والشام وحلب وحتّى في شرق الإمبراطوريّة العثمانيّة يمارسون هذه الشعائر ، ويروي المؤرّخ « مارينو سالزتون » أنّ الشيعة كانوا يشكّلون في أعتاب القرن العاشر الهجري أربعة أخماس آسيا الصغرى ( تركيا ) . « 3 » ومن الطبيعيّ أنّهم كانوا يقيمون مراسم العزاء وخاصّة في مدن الحلّة وكربلاء والنجف نظراً إلى أنّ إقامة العزاء كان قد أصبح سنّة ثابتة . ومن الطريف أنّ ابن طولون ، مؤرّخ القرن العاشر ، يخبرنا عن مسيرة العزاء وكيفيّته في الشام خلال تقرير حوادث عامي 907 « 4 » و 924 ه . ق .
وقد كان العزاء على الإمام الحسين عليه السّلام واسعاً للغاية في العهد الصفوي ؛ نظراً إلى تمتّعه بدعم حكوميّ مضافاً إلى تنوّعه ، وأصبح الناس الذين كانوا قد حافظوا على هذه السنّة
هامش
( 1 ) . هي إحدى طرق التصوّف ، ولا زالت موجودة بوضوح في الآناضول والبلقان ( راجع : فرهنگ فرقإسلامي « بالفارسية » : ص 102 ) .
( 2 ) . مجلّة معارف : الدورة العاشرة ، العدد 1 ، فروردين - تير 1372 ص 62 - 116 .
( 3 ) . إسلام در إيران ( بالفارسية ) لپطروشفسكي : ص 387 نقلًا عن « سفيران وينزي » 920 ه . ق / 1514 م .
( 4 ) . مفاكهة الخلّان في حوادث الزمان لابن طولون - / في سنة 907 - / : وفي يوم عاشوراء اجتمع جماعة من أوباش الأعاجم والقلندرية وأظهروا قاعدة الروافض من إدماء الوجوه وغير ذلك ، فقام عليهم بعض الناس . و - في سنة 924 - : وفي يوم الثلاثاء سابعه [ سابع المحرم ] دارت أعاجم يندبون الحسين قدس سره ، في أسواق دمشق ، وطلعوا إلى الصالحية ومعهم سنجق وباسوس مملوء دراهم ، فصاحت صوفية دمشق ، وذهبوا إلى القاضي زين الدين الرومي ، وأخبروه بهذه البدعة ، فأمر بالقبض عليهم ، ففتّشوا عليهم فرأوهم في سوق جقمق ، فربطوهم وجاؤوا بهم إلى القاضي المذكور . فأمر بكسر سنجقهم وضربهم ، فخرجوا هاربين ( مفاكهة الخلّان في حوادث الزمان : ج 2 ص 78 ) .