أيُّهَا النّاسُ ! ما أنَا بِالراغِبِ فِي التَّأَمُّرِ عَلَيكُم ، ولا بِالآمِنِ لِكَراهَتِكُم ، بَل بُلينا بِكُم ، وبُليتُم بِنا ، ألا إنَّ جَدّي مُعاوِيَةَ نازَعَ الأَمَر مَن كانَ أولى بِالأَمرِ مِنهُ في قَديمِهِ « 1 » وسابِقَتِهِ ، عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ عَلَيهِ السَّلامُ وَالتَّحِيَّةُ وَالإِكرامُ ، فَرَكِبَ جَدّي مِنهُ ما تَعلَمونَ ، ورَكِبتُم مَعَهُ ما لا تَجهَلونَ ، حَتّى صارَ رَهينَ عَمَلِهِ ، وضَجيعَ حُفرَتِهِ ، تَجاوَزَ اللَّهُ عَنهُ .
ثُمَّ صارَ الأَمرُ إلى أبي ، ولَقَد كانَ خَليقاً أن لا يَركَبَ سَيِّئَةً ، إذ كانَ غَيرَ خَليقٍ بِالخِلافَةِ ، فَرَكِبَ رَدعَهُ « 2 » ، وَاستَحسَنَ خَطَأَهُ ، فَقَلَّت مُدَّتُهُ ، وَانقَطَعَت آثارُهُ ، وخَمَدَت نارُهُ ، ولَقَد أنسانَا الحُزنُ بِهِ الحُزنَ عَلَيهِ ، فَإِنّا للَّهوإنّا إلَيهِ راجِعونَ ، ثُمَّ أخفَتَ يَتَرَحَّمُ عَلى أبيهِ .
ثُمَّ قالَ : وصِرتُ أنَا الثّالِثَ مِنَ القَومِ ، الزّاهِدُ فيما لَدَيَّ أكثَرُ مِنَ الرّاغِبِ ، وما كُنتُ لِأَتَحَمَّلَ آثامَكُم ، شَأنَكُم وأمرَكُم خُذوهُ ، ومَن شِئتُم وِلايَتَهُ فَوَلّوهُ .
قالَ : فَقامَ إلَيهِ مَروانُ بنُ الحَكَمِ ، فَقالَ : يا أبا لَيلى ، سُنَّةُ عُمَرَ سَيِّئَةٌ ؟ فَقالَ لَهُ :
يا مَروانُ ، أتَخدَعُني عَن دينِي ، ائتِني بِرِجالٍ كَرِجالِ عُمَرَ أجعَلها بَينَهُم شورى .
ثُمَّ قالَ : وَاللَّهِ ، إن كانَتِ الخِلافَةُ مَغنَماً لَقَد أصَبنا مِنها حَظَّاً ، ولَئِن كانَت شَرّاً فَحَسبُ آلِ أبي سُفيانَ ما أصابوا مِنها ، ثُمَّ نَزَلَ .
فَقالَت لَهُ امُّهُ : لَيتَكَ كُنتَ حَيضَةً ، فَقالَ : وأنَا وَدِدتُ ذلِكَ ولَم أعلَم أنَّ للَّهِ ناراً يُعَذِّبُ بِها مَن عَصاهُ ، وأخَذَ غَيرَ حَقِّهِ . « 3 »
هامش
( 1 ) . هكذا في المصدر ، وفي بحار الأنوار : « في قِدَمِه » .
( 2 ) . رَكِبَ رَدْعَهُ : أي لم يَرْدَعْهُ شيء فيمنعه عن وجهه ( لسان العرب : ج 8 ص 122 « ردع » ) .
( 3 ) . تنبيه الخواطر : ج 2 ص 299 ، بحار الأنوار : ج 46 ص 118 ؛ جواهر المطالب : ج 2 ص 261 نحوه .