الطبري في هذا المجال :
لمّا قتل الحسين بن عليّ ، ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة « 1 » فدخل الكوفة ، تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندّم ، ورأت أنّها قد أخطأت خطأً كبيراً بدعائهم الحسين إلى النصرة وتركهم إجابته ، ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه ، ورأوا أنّه لا يغسل عارهم والإثم عنهم في مقتله إلّابقتل من قتله أو القتل فيه . ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤوس الشيعة : إلى سليمان بن صرد الخزاعي ؛ وكانت له صحبة مع النبي صلّى اللَّه عليه وآله ، وإلى المُسيّب بن نجبة الفزاري ؛ وكان من أصحاب عليّ وخيارهم ، وإلى عبد اللَّه بن سعد بن نفيل الأزدي ، وإلى عبد اللَّه بن وال التيمي ، وإلى رفاعة بن شدّاد البجلي .
ثمّ إنّ هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد وكانوا من خيار أصحاب عليّ ، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم . قال : فلمّا اجتمعوا إلى منزل سليمان بن صرد بدأ المسيّب بن نجبة القوم بالكلام ، فتكلّم فحمد اللَّه وأثنى عليه وصلّى على نبيّه صلّى اللَّه عليه وآله ، ثمّ قال :
أمّا بعد ، فإنّا قد ابتُلينا بطول العمر والتعرّض لأنواع الفتن ، فنرغب إلى ربّنا ألّا يجعلنا ممّن يقول له غداً :
« أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ »
« 2 » ، فإنّ أمير المؤمنين قال : « العُمرُ الَّذي أعذَرَ اللَّهُ فيهِ إلَى ابنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً » ، « 3 » وليس فينا رجل إلّاوقد بلغه ، وقد كنّا مغرمين بتزكية أنفسنا وتقريظ شيعتنا ، حتّى بلا اللَّه أخيارنا فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبيّنا صلّى اللَّه عليه وآله ، وقد بلغتنا قبل ذلك كتبُه وقدمَت علينا رُسلُه ، وأعذر إلينا يسألنا نصره عوداً وبدءاً ، وعلانية وسرّاً ، فبخلنا عنه بأنفسنا ، حتّى قُتل إلى جانِبنا ؛ لا نحن
هامش
( 1 ) . معسكر الكوفة بالقرب منها وفي طريق الشام ( راجع : الخريطة رقم 4 في آخر المجلّد 4 ) .
( 2 ) . فاطر : 37
( 3 ) . نهج البلاغة ، الحكمة 326 .