الكوفة ، كان عابس أوّل شخص قام من مكانه ، وبعد حمد اللَّه والثناء عليه قال :
أمّا بَعدُ ، فَإِنّي لا اخبِرُكَ عَنِ النّاسِ ، ولا أعلَمُ ما في أنفُسِهِم ، وما أغُرُّكَ مِنهُم ، وَاللَّهِ لَاحَدِّثَنَّكَ عَمّا أنَا مُوَطِّنٌ نَفسي عَلَيهِ ، وَاللَّهِ لَاجيبَنَّكُم إذا دَعَوتُم ، ولَاقاتِلَنَّ مَعَكُم عَدُوَّكُم ، ولَأَضرِبَنَّ بِسَيفي دونَكُم حَتّى ألقَى اللَّهَ ، لا اريدُ بِذلِكَ إلّاما عِندَ اللَّهِ .
وقام بعده حبيب بن مظاهر وأبدى استعداده لنصرة الإمام ، وهيّأت كلمة هذين الرجلين الأرضيّة لبيعة الناس . « 1 »
حمل عابس كتاب مسلم للإمام إلى مكّة ، « 2 » وكان له حضور مؤثّر في المقاطع المختلفة من النهضة الحسينيّة ، ويدلّ كلامه عند الوداع مع الإمام الحسين عليه السّلام في يوم عاشوراء ، على ذروة إيمانه وإيثاره وحبّه لأهل بيت الرسالة ، حيث خاطب الإمام قائلًا :
يا أبا عَبدِ اللَّهِ ، وَاللَّهِ ما أقدِرُ عَلى أن أدفَعَ عَنكَ القَتلَ وَالضَّيمَ بِشَيءٍ أعَزَّ عَلَيَّ مِن نَفسي ، فَعَلَيكَ السَّلامُ ! « 3 »
وحينما عجز عسكر العدوّ عن مواجهته ، أمر عمر بن سعد أن يرشقوه بالحجارة من كلّ جانب ، فلمّا رأى ذلك ، استبشر وألقى درعه ومغفره ، واستقبل رشق الحجارة دون درعٍ ومغفر !
يقول الراوي في تبيين شجاعته بعد أن استشهد عابس :
رَأَيتُ رَأسَهُ في أيدي رِجالٍ ذَوي عُدَّةٍ ، هذا يَقولُ : أنَا قَتَلتُهُ ، وهذا يَقولُ : أنَا قَتَلتُهُ ، فَأَتَوا عُمَرَ بنَ سَعدٍ فَقالَ : لا تَختَصِموا ، هذا لَم يَقتُلهُ سِنانٌ واحِدٌ . « 4 »
هامش
( 1 ) . راجع : ج 3 ص 57 ( القسم السابع / الفصل الرابع / قدوم مسلم الكوفة وبيعة أهلها له ) .
( 2 ) . راجع : ج 3 ص 96 ( القسم السابع / الفصل الرابع / كتاب مسلم إلى الإمام عليه السّلام يدعوه للقدوم إلىالكوفة ) .
( 3 ) . راجع : ص 223 ح 1725 .
( 4 ) . راجع : ص 224 ح 1726 .