ساعَةً ، ثُمَّ قالَ : ما أدري ما تَركُنا هؤُلاءِ القَومَ وكَفُّنا ، ونَحنُ أبناءُ المُهاجِرينَ ووُلاةُ هذَا الأَمرِ دونَهُم ، خَبِّرني ما تُريدُ أن تَصنَعَ ؟
فَقالَ الحُسَينُ عليه السّلام : لَقَد حَدَّثتُ نَفسي بِإِتيانِ الكوفَةِ ، ولَقَد كَتَبَت إلَيَّ شيعَتي بِها ، وأشرافُ النّاسِ ، وأستَخيرُ اللَّهَ .
فَقالَ لَهُ ابنُ الزُّبَيرِ : أما لَو كانَ لي بِها مِثلُ شيعَتِكَ لَما عَدَلتُ عَنها ! ثُمَّ خَشِيَ أن يَتَّهِمَهُ فَقالَ لَهُ : أما إنَّكَ لَو أقَمتَ بِالحِجازِ ثُمَّ أرَدتَ هذَا الأَمرَ هاهُنا ، لَما خالَفنا عَلَيكَ ، وساعَدناكَ وبايَعناكَ ونَصَحنا لَكَ .
فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السّلام : إنَّ أبي حَدَّثَني أنَّ لَها كَبشاً بِهِ تُستَحَلُّ حُرمَتُها ، فَما احِبُّ أن أكونَ أنا ذلِكَ الكَبشَ .
قالَ : فَأَقِم إن شِئتَ وتُوَلّيني أنَا الأَمرَ ، فَتُطاعُ ولا تُعصى .
قالَ : ولا اريدُ هذا أيضاً . ثُمَّ إنَّهُما أخفَيا كَلامَهُما دونَنا ، فَالتَفَتَ الحُسَينُ عليه السّلام إلى مَن هُناكَ وقالَ : أتَدرونَ ما يَقولُ ؟ قالوا : لا نَدري ، جَعَلَنا اللَّهُ فِداكَ ! قالَ : إنَّهُ يَقولُ :
أقِم في هذَا المَسجِدِ أجمَعُ لَكَ النّاسَ !
ثُمَّ قالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السّلام : وَاللَّهِ لَأَن اقتَلَ خارِجاً مِنها بِشِبرٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أن اقتَلَ فيها ، ولَأَن اقتَلَ خارِجاً مِنها بِشِبرَينِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أن اقتَلَ خارِجاً مِنها بِشِبرٍ ، وَايمُ اللَّهِ ، لَو كُنتُ في جُحرِ هامَّةٍ مِن هذِهِ الهَوامِّ لَاستَخرَجوني حَتّى يَقضوا بي حاجَتَهُم ! وَاللَّهِ لَيَعتَدُنَّ عَلَيَّ كَما اعتَدَتِ اليَهودُ فِي السَّبتِ .
فَقامَ ابنُ الزُّبَيرِ فَخَرَجَ مِن عِندِهِ .
فَقالَ الحُسَينُ عليه السّلام : إنَّ هذا لَيسَ شَيءٌ مِنَ الدُّنيا أحَبَّ إلَيهِ مِن أن أخرُجَ مِنَ الحِجازِ ، وقَد عَلِمَ أنَّ النّاسَ لا يَعدِلونَهُ بي ، فَوَدَّ أنّي خَرَجتُ حَتّى يَخلُوَ لَهُ . « 1 »
هامش
( 1 ) . الكامل في التاريخ : ج 2 ص 546 ، الفصول المهمّة : ص 184 نحوه .