[ يا ] « 1 » أهل المدينة ، ما زلت أطوي الحزن من وعثاء السفر « 2 » بالحبّ لمطالعتكم ، حتّى انطوى البعيد ولان الخشن ، وحقّ لجار رسول اللَّه أن يُتاق إليه .
فردّ عليه القوم :
بنفسك ودارك ومهاجرك ، أما إنّ لك منهم كإشفاق الحميم « 3 » البرّ والحفيّ . « 4 »
حتّى إذا كان بِالجُرفِ « 5 » لقيه الحسين بن عليّ عليه السّلام وعبداللَّه بن عبّاس ، فقال معاوية :
مرحباً بابن بنت رسول اللَّه وابن صنو أبيه ، ثمّ انحرف إلى الناس فقال : هذان شيخا بني عبد مناف . وأقبل عليهما بوجهه وحديثه ، فرحّب وقرّب ، وجعل يواجه هذا مرّة ، ويضاحك هذا أخرى ، حتّى ورد المدينة ، فلمّا خالطها لقيته المشاة والنساء والصبيان يسلّمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل ، فانصرفا عنه ، فمال الحسين عليه السّلام إلى منزله ، ومضى عبداللَّه بن عبّاس إلى المسجد فدخله ، وأقبل معاوية ومعه خلقٌ كثيرٌ من أهل الشام ، حتّى أتى عائشة امّ المؤمنين ، فاستأذن عليها فأذنت له وحده لم يدخل عليها معه أحد ، وعندها مولاها ذكوان .
فقالت عائشة :
يا معاوية ! أكنت تأمن أن اقعد لك رجلًا فأقتلك كما قتلتَ أخي محمّدبن أبي بكر ؟
فقال معاوية : ما كنت لتفعلين ذلك . قالت : لِمَ ؟ قال : لأنّي في بيت أمن ؛ بيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله .
ثمّ إنّ عائشة حمدت اللَّه وأثنت عليه ، وذكرت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وذكرت أبا بكر وعمر ، وحضّته على الاقتداء بهما والاتّباع لأثرهما ، ثمّ صمتت . قال : فلم يخطب
هامش
( 1 ) . ما بين المعقوفين أثبتناه من الإمامة والسياسة .
( 2 ) . وعثاء السفر : مشقّته ( الصحاح : ج 1 ص 296 « وعث » ) .
( 3 ) . الحميم : القريب الّذي يودّك وتودّه ( لسان العرب : ج 12 ص 153 « حمم » ) .
( 4 ) . الحَفيّ : البار ( مجمع البحرين : ج 1 ص 430 « حفي » ) .
( 5 ) . الجُرْفُ : موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام ( معجم البلدان : ج 2 ص 128 ) وراجع : الخريطة رقم 3 في آخر المجلّد 3 .