أما لقد اصطنعك أبي ورفاك حتّى بلغت باصطناعه المدى الذي لا يُجارى إليه ولا يُسامى ، فما شكرت بلاءه ولا جازيته بآلائه ، وقدّمت عليّ هذا - يعني يزيد بن معاوية - وبايعت له ، وواللَّه لأنا خيرٌ منه أباً وامّاً ونفساً .
فقال معاوية :
أمّا بلاء أبيك فقد يحقّ عليّ الجزاء به ، وقد كان من شكري لذلك أنّي طلبت بدمه حتّى تكشّفت الأمور ، ولست بلائم لنفسي في التشمير « 1 » . وأمّا فضل أبيك على أبيه ، فأبوك واللَّه خيرٌ منّي وأقرب برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله . وأمّا فضل امّك على امّه فما يُنكر ؛ امرأة من قريش خيرٌ من امرأة من كلب . وأمّا فضلك عليه فواللَّه ما احبّ أنّ الغوطَةَ « 2 » دَحَسَت « 3 » ليزيد رجالًا مثلك !
فقال له يزيد :
يا أمير المؤمنين ، ابن عمّك وأنت أحقّ مَن نظر في أمره ، وقد عتب عليك لي فأعتبه . « 4 »
وفي لفظ ابن قتيبة : فلمّا قدم معاوية الشام ، أتاه سعيد بن عثمان بن عفّان ، وكان شيطان قريش ولسانها ، قال :
يا أمير المؤمنين ! عَلام تبايع ليزيد وتتركني ؟ فواللَّه ، لتعلم أنّ أبي خير من أبيه ، وامّي خيرٌ من امّه ، وأنا خيرٌ منه ، وإنّك إنّما نلت ما أنت فيه بأبي .
فضحك معاوية وقال :
يا بن أخي ، أمّا قولك : إنّ أباك خيرٌ من أبيه ، فيوم من عثمان خيرٌ من معاوية ، وأمّا
هامش
( 1 ) . التشمير في الأمر : السرعة فيه والخِفّة ( المصباح المنير : ص 322 « شمر » ) .
( 2 ) . الغوطة : اسم البساتين والمياه التي حول دمشق ( لسان العرب : ج 7 ص 366 « غوط » ) .
( 3 ) . دَحَسَ الشيء : مَلَأَهُ ( القاموس المحيط : ج 2 ص 213 « دحس » ) .
( 4 ) . تاريخ الطبري : ج 5 ص 305 ، تاريخ دمشق : ج 8 ص 231 ، البداية والنهاية : ج 8 ص 79 ، الإمامة والسياسة : ج 1 ص 214 .