إنّ أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يألُ ، وقد استخلف ابنه يزيد بعده .
فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فقال :
كذبت واللَّه يا مروان وكذب معاوية ! ما الخيار أردتما لُامّة محمّد ، ولكنّكم تريدون أن تجعلوها هرقليّة كلّما مات هرقل قام هرقل .
فقال مروان :
هذا الّذي أنزل اللَّه فيه :
« وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما »
« 1 » الآية .
فسمعت عائشة مقالته من وراء الحجاب ، وقالت : يا مروان ! يا مروان ! فأنصت الناس وأقبل مروان بوجهه ، فقالت :
أنت القائل لعبد الرحمن إنّه نزل فيه القرآن ؟ كذبت واللَّه ما هو به ، ولكنّه فلان بن فلان ، ولكنّك أنت فضض « 2 » من لعنة نبيّ اللَّه .
وقام الحسين بن عليّ عليه السّلام فأنكر ذلك ، وفعل مثله ابن عمر وابن الزبير ، فكتب مروان بذلك إلى معاوية ، وكان معاوية قد كتب إلى عمّاله بتقريظ يزيد ووصفه ، وأن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار ، فكان فيمن أتاه محمّد بن عمرو بن حزم من المدينة ، والأحنف بن قيس في وفد أهل البصرة . فقال محمّد بن عمرو لمعاوية :
إنّ كلّ راع مسؤول عن رعيّته ، فانظر من تولّي أمر امّة محمّد .
فأخذ معاوية بُهر « 3 » حتّى جعل يتنفّس في يومٍ شاتٍ ، ثمّ وصَله وصرَفه .
وأمر الأحنف أن يدخل على يزيد ، فدخل عليه ، فلمّا خرج من عنده قال له :
كيف رأيت ابن أخيك ؟ قال : رأيت شباباً ونشاطاً وجلداً ومزاحاً .
ثمّ إنّ معاوية قال للضحّاك بن قيس الفهري لمّا اجتمع الوفود عنده :
إنّي متكلّم ، فإذا سكتُّ فكن أنت الّذي تدعو إلى بيعة يزيد وتحثّني عليها .
هامش
( 1 ) . الأحقاف : 17 .
( 2 ) . فَضَضٌ من لعنة اللَّه : أي قطعة منها ( القاموس المحيط : ج 2 ص 340 « فضض » ) .
( 3 ) . البُهرُ : ما يعتري الإنسان عند السعي الشديد والعدو من التهيّج وتتابع النَفَس ( النهاية : ج 1 ص 165 « بهر » ) .