هذِهِ الجارِيَةُ ؟ فَقالَ : لِأَميرِ المُؤمِنينَ ، ثُمَّ نَظَرَ إلى غَيرِهِ ، فَقالَ لَهُ كَذلِكَ ، فَقالَ : لا ، فَقيلَ : لِمَن ؟ قالَ : لِلحُسَينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ؛ فَإِنَّهُ أحَقُّ بِها لِما لَهُ مِنَ الشَّرَفِ ، ولِما كانَ بَينَنا وبَينَ أبيهِ . فَأَهداها لَهُ ، فَأَمَرَ مَن يَقومُ عَلَيها .
فَلَمّا مَضَت أربَعونَ يَوماً حَمَلَها وحَمَلَ مَعَها أموالًا عَظيمَةً وكِسوَةً وغَيرَ ذلِكَ ، وكَتَبَ : إنَّ أميرَ المُؤمِنينَ اشتَرى جارِيَةً فَأَعجَبَتهُ فَآثَرَكَ بِها ، فَلَمّا قَدِمَت عَلَى الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ عليه السّلام ادخِلَت عَلَيهِ فَاعجِبَ بِجَمالِها ، فَقالَ لَها : مَا اسمُكِ ؟ فَقالَت :
هَوىً ، قالَ : أنتِ هَوىً كَما سُمِّيتِ ، هَل تُحسِنينَ شَيئاً ؟ قالَت : نَعَم ، أقرَأُ القُرآنَ وانشِدُ الأَشعارَ ، قالَ : اقرَئي ، فَقَرَأَت :
« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ »
. « 1 »
قالَ : أنشِديني ، قالَت : ولِيَ الأَمانُ ؟ قالَ : نَعَم ، فَأَنشَأَت تَقولُ :
أنتَ نِعمَ المَتاعُ لَو كُنتَ تَبقى * غَيرَ أن لا بَقاءَ لِلإِنسانِ
فَبَكَى الحُسَينُ عليه السّلام ، ثُمَّ قالَ : أنتِ حُرَّةٌ ، وما بَعَثَ بِهِ مُعاوِيَةُ مَعَكِ فَهُوَ لَكِ . ثُمَّ قالَ لَها : هَل قُلتِ في مُعاوِيَةَ شَيئاً ؟ فَقالَت :
رَأَيتُ الفَتى يَمضي ويَجمَعُ جُهدَهُ * رَجاءَ الغِنى وَالوارِثونَ قُعودُ
وما لِلفَتى إلّانَصيبٌ مِنَ التُّقى * إذا فارَقَ الدُّنيا عَلَيهِ يَعودُ
فَأَمَرَ لَها بِأَلفِ دينارٍ وأخرَجَها ، ثُمَّ قالَ : رَأَيتُ أبي كَثيراً ما يُنشِدُ :
ومَن يَطلُبُ الدُّنيا لِحالٍ تَسُرُّهُ * فَسَوفَ لَعَمري عَن قَليلٍ يَلومُها
إذا أدبَرَت كانَت « 2 » عَلَى المَرءِ فِتنَةً * وإن أقبَلَت كانَت قَليلٌ دَوامُها
ثُمَّ بَكى وقامَ إلى صَلاتِهِ . « 3 »
هامش
( 1 ) . الأنعام : 59 .
( 2 ) . في المصدر : « كان » ، والتصويب من الديوان المنسوب إلى الإمام عليّ عليه السّلام : ص 522 .
( 3 ) . تاريخ دمشق : ج 70 ص 196 .