أبي طالِبٍ عليهما السّلام ، عُرِضَ عَلَيهِ الأَمانُ وأصحابِهِ ، فَأَنِفَ مِنَ الذُّلِّ ، وخافَ مِنِ ابنِ زِيادٍ أن يَنالَهُ بِنَوعٍ مِنَ الهَوانِ إن لَم يَقتُلهُ ، فاخَتارَ المَوتَ عَلى ذلِكَ . « 1 »
454 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : سَمِعتُ النَّقيبَ أبا زَيدٍ يَحيَى بنَ زَيدٍ العَلَوِيَّ البَصرِيَّ يَقولُ : كَأَنَّ أبياتَ أبي تَمّامٍ في مُحَمَّدِ بنِ حُمَيدٍ الطّائِيِّ ما قيلَت إلّافِي الحُسَينِ عليه السّلام :
وقَد كانَ فَوتُ المَوتِ سَهلًا فَرَدَّهُ * إلَيهِ الحِفاظُ المُرُّ وَالخُلُقُ الوَعرُ
ونَفسٌ تُعافُ الضَّيمَ حتّى كَأَنَّهُ * هُوَ الكُفرُ يَومَ الرَّوعِ أو دونَهُ الكُفرُ
فَأَثبَتَ في مُستَنقَعِ المَوتِ رِجلَهُ * وقالَ لَها : مِن تَحتِ أخمُصِكَ الحَشرُ
تَرَدّى ثِيابَ المَوتِ حُمراً فَما أتى * لَهَا اللَّيلُ إلّاوَهْيَ مِن سُندُسٍ « 2 » خُضرُ « 3 »
455 . التبصرة : إنَّما رَحَلَ الحُسَينُ عليه السّلام إلَى القَومِ ؛ لِأَنَّهُ رَأَى الشَّريعَةَ قَد رُفِضَت ، فَجَدَّ في رَفعِ قَواعِدَ أصَّلَهَا الجَدُّ صلّى اللَّه عليه وآله ، فَلَمّا حَضَروهُ حَصَروهُ ، فَقالَ : دَعوني أرجِع . فَقالوا : لا ، انزلِ عَلى حُكمِ ابنِ زِيادٍ ، فَاختارَ القَتلَ عَلَى الذُّلِّ ، وهكَذَا النُّفوسُ الأَبِيَّةُ .
تَأبَى الدَّناءَةَ لي نَفسٌ نَفاسَتُها * تَسعى لِغَيرِ الرِّضا بِالرِّيِّ وَالشِّبَعِ
فَلِا كتِسابَ العُلا حِلّي ومُرتَحَلي * وفي حِمَى المَجدِ مُصطافي « 4 » ومُرتَبَعي « 5 »
لي هِمَّةٌ ما أظُنُّ اللَّحظَ يُدرِكُها * إلّا وقَد جاوَزَت في كُلِّ مُمتَنَعِ
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 3 ص 249 .
( 2 ) . السُّنْدُس : ما رَقَّ من الديباج ورفع ( النهاية : ج 2 ص 409 « سندس » ) .
( 3 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 3 ص 249 .
( 4 ) . صافَ بالمكان : أي أقام به الصيف ، واصطاف مثله ، والموضع مصيف ومصطاف ( لسان العرب : ج 9 ص 201 « صيف » ) .
( 5 ) . المُرتَبَع : الموضع الذي يُنزل فيه أيّام الربيع ( النهاية : ج 2 ص 188 « ربع » ) .