المجموعة الثانية : الأحاديث الّتي تدلّ على أنّ عدداً من الناس خُلقوا للجنّة وخُلق عدد آخر منهم للنار ، وكلّ واحد منهم لا يمكنه فعل إلّاما خُلق له كما يروي عمران بن حصين ذلك قائلًا :
قيلَ : يا رَسولَ اللَّهِ ، أعُلِمَ أهلُ الجَنَّةِ مِن أهلِ النَارِ ؟ قالَ : فَقالَ : نَعَم ، قالَ : قيلَ : فَفيمَ يَعمَلُ العامِلونَ ؟ قالَ : كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ . « 1 »
المجموعة الثالثة : الأحاديث الّتي تعتبر في الظاهر سعادة البشر وشقاءهم أمراً مقدّراً ومفروغاً منه ، ومع ذلك فإنّها توصي بالعمل مستدلّةً بأنّ الذين هم أهل السعادة يوفّقون للأعمال الّتي توصلهم إلى سعادتهم المقدّرة ، وأمّا أهل الشقاء فإنّهم يوفّقون للأعمال الّتي تنتهي بهم إلى مصيرهم المشؤوم ، مثل ما نقل عن عمر بن الخطّاب من أنّه قال للنّبيّ صلى الله عليه وآله :
يا رسولَ اللَّهِ ، أرَأَيتَ ما نَعمَلُ فيهِ أمرٌ مُبتَدَعٌ أو مُبتَدَأٌ أو أمرٌ قَد فُرِغَ مِنهُ ؟ قالَ : أَمرٌ قَد فُرِغَ مِنهُ ، فَاعمَل يَابنَ الخَطّابِ ، فَإِنَّ كُلّاً مُيَسَّرٌ ، فَأَمّا مَن كانَ مِن أهلِ السَّعادَةِ فَإِنَّهُ يَعمَلُ لِلسَّعادَةِ ، وَمَن كانَ مِن أهلِ الشَّقاءِ فَإِنَّهُ يَعمَلُ لِلشَّقاءِ . « 2 »
ملاحظات لفهم الأحاديث المذكورة :
لبيان هذه الأحاديث ، من الضروريّ الالتفات إلى ثلاث ملاحظات :
1 . التعارض مع القرآن والأحاديث القطعيَّة الصدور
إنّه إذا كان المراد من هذه الأحاديث إلغاء حرّية الإنسان في تعيين مصيره وعاقبته ، وسلب الإرادة والمشيئة الإلهية في تغيير مصير الإنسان والعالَم ، فإنّ هذه الأحاديث الآحاد لا تعارض الأحاديث المتواترة والسنّة القطعيّة لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله فحسب ، بل إنّها تتعارض مع صريح القرآن الكريم ، بل ومع فلسفة بعثة الأنبياء ، وبناءً على ذلك فإنّها مردودة ولا يمكن قبولها على فرض صحّة أسانيدها .
2 . عدم تعارض علم اللَّه عز وجل مع إرادته وحرية الإنسان
من الممكن أن تكون هذه الروايات كناية عن العلم الأزلي للَّهتعالى بالأمور المذكورة ، بمعنى أنّ اللَّه تعالى ، يعلم من سيكون شقيّاً ، ومن سيدخل الجنّة ، ومن سيدخل النار ، وباختصار : فإنّ اللَّه - تعالى - يعلم المصير الدنيوي والأخروي لجميع الناس ، ولكنّ الملاحظة المهمّة والدقيقة هي أنّ علم اللَّه ، ليس علّة للمعلوم ، بل هو تابع له ، لا متبوع له كما ظنّ الأشاعرة وأتباعهم .
بناءً على ذلك ، فإنّ العلم الأزلي للَّه - تعالى - لا يتعارض ؛ لا مع إرادته ومشيئته ، ولا مع إرادة الإنسان واختياره في تعيين مصيره .
بعبارة أخرى : فإنّ المراد من الأحاديث المذكورة ، أنّ اللَّه - تعالى - يعلم كيف سيعيّن الإنسان باختياره مصيره في الدنيا والآخرة ، فهل سيكون شقيّاً ، أم سعيداً ؟ وهل سيكون من أهل الجنّة ، أو من أهل النار ؟ حيث ذكر هذا المعنى بوضوح في بعض
هامش
( 1 ) . صحيح مسلم : ج 4 ص 2041 ح 9
( 2 ) . مسند ابن حنبل : ج 2 ص 370 ح 5482