كلام حول البداء
يعتبر البداء أحد التعاليم الإسلاميّة المهمّة ، حيث تدلّ عليه بوضوح آيات القرآن الكريم والأحاديث المنقولة في كتب الفريقين ، لذا فقد أيّدت جميع الفرق والمذاهب الإسلاميّة مفهومه ، من الناحية العملية ، نعم عمد البعض إلى إنكار البداء ؛ لأنّهم لم يدركوا معناه بشكل صحيح بزعم أنّه يتعارض مع علم اللَّه الذاتي والأزلي .
ولكنّ جميع فرق المسلمين تمدّ أيديها بالدعاء على أرض الواقع ولا تطلب من اللَّه قضاء حاجاتها فحسب ، بل وترجوه أن يغيّر عاقبتها ، وهذا السلوك إنّما يمثّل في الحقيقة اعتقاداً بمفهوم البداء .
مفهوم البداء
كلمة البداء مشتقّة من مادّة « بدو » بمعنى الظهور ، وتستعمل بمعنيين هما الظهور بعد الخفاء وظهور الرأي الجديد .
والمعنى الثاني للبداء ( أي ظهور الرأي الجديد ) يمكن أن يكون هو أيضاً على صورتين : ظهور رأي على خلاف الرأي السابق ( أو التغير في الرأي ) ، وظهور رأي دون أن تكون له خليفة في رأي آخر .
وهكذا يستخدم البداء في اللغة العربية في ثلاثة مواضع :
1 . ظهور شيء بعد خفائه .
2 . ظهور رأي خلافاً للرأي السابق ، أو تغيير الرأي .
3 . ظهور رأي دون أن تكون له خليفة مسبقة .
والآن علينا أن نتعرّف على المعنى الّذي استخدم فيه البداء في الكتاب والسنّة فيما يتعلّق باللَّه تعالى .
البداء في الكتاب والسنة
زعم الكثير من الذين أبدوا آراءهم حول البداء أو أنكروه ، أنّ البداء بالمعنى الأوّل هو المستخدم فيما يتعلّق باللَّه ، وبالتالي فقد عمدوا إلى الاستدلال على هذا المعنى أو ردّه ، ولكنّ البداء استخدم في الكتاب والسنّة بالمعنيين الأخيرين فيما يتعلّق باللَّه - تعالى - ، أمّا المعنى الثالث فلا خلاف فيه ، وإنما الّذي خضع للبحث واختُلِف بشأنه هو المعنى الثاني منها .
وقد لاحظنا في بحث القضاء والقدر ، أنّ اللَّه جعل تحت اختيار البشر إمكانيّات وثروات مثل القدرة والرزق والعمر والبقاء بشكل محدود ، وهذه المحدوديّة هي التقدير الإلهي ، ومن جهة أخرى فإنّ التقدير الإلهي على قسمين : محتوم ( أو غير قابل للتغيير ) ، وغير محتوم ( أو قابل للتغيير ) .
فعلى هذا الأساس يكون عبارة عن التغيير في التقدير غير المحتوم عن طريق تقديم التقديرات وتأخيرها ، أو محو تقدير وإثبات تقدير آخر ، كما جاء في القرآن الكريم :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
. « 1 »
هامش
( 1 ) . الرعد : 39