على ضوء هذه الإيضاحات ، فإنَّ ما ينبغي دراسته على هذا الصعيد ، مسألتان :
الأولى : تصفيد الشياطين وغلّها في شهر رمضان .
الثانية : البحث عن العوامل الكامنة وراء اجتراح الخطايا وظهور الذنوب في هذا الشهر ، على الرغم من تصفيدالشياطين وغياب دورها الإغوائي .
علّة تصفيد الشياطين في شهر رمضان
تفيد عملية دراسة النصوص الإسلامية وتحليلها ، وجود علّتين لغلّ الشياطين ومنعها في شهر رمضان ، على النحو الّذيتأتي فيه العلّة الثانية في طول العلّة الأولى . وهاتان العلّتان هما :
العلّة الأولى : الممانعة الطبيعية للصيام
يُزيل الصوم على نحو طبيعي الأرضية الّتي تتحرّك عليها سلطة الشيطان للتأثير على الإنسان وإغوائه ، وبتعبير أدقّ ليستالسلسلة الّتي تقيّد الشيطان وتغلّه في شهر رمضان سوى الصوم نفسه ، ومن هنا ما جاء عن النَّبي فيقوله صلى الله عليه وآله :
إنَّ الشَّيطانَ لَيَجري مِنِ ابنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ فَضَيِّقوا مَجارِيَهُ بِالجُوعِ . « 1 »
العلّة الثانية : اللطف الإلهي الخاص
بالإضافة إلى الرصيد الّذي يوفّره صوم شهر رمضان للصائمين طبيعياً ، متمثّلًا باحتواء سلطة الشيطان وردع إغواءاته عنهم ، فإنَّ هذه الممارسة العبادية تتحوّل بنفسها إلى أرضية لانهمار ألطاف اللَّه عليهم وشمولهم بها ، وحينئذٍ فإنَّ ما جاء في الأحاديث من تصفيد الشياطين ، وغلّها في هذا الشهر إنّما هو إشارة لهذا المعنى .
بعبارة أخرى ، إنَّ اللطف الإلهي ليس جزافاً حتّى يصحّ السؤال : لماذا لم يمنع سبحانه سلطة الشياطين ويحول بينها وبين الإنسان في بقيّة الشهور ؟ كلّا ، إنّما ينشأ مبدأ التوفيق الرباني واللطف الإلهي من واقع اختيار الإنساننفسه ، ودخوله في رحاب الضيافة الرمضانية .
علّة عدم الانتفاع من غلّ الشياطين
لو تفقد سلطة الشياطين على الإنسان في هذا الشهر على الأقل بالنسبة إلى الصائمين ، لماذا نرى غفلة الصائمين وابتلاءهم بالخطايا والذنوب في هذا الشهر أحياناً نسبية تصفيد الشياطين
إنَّ السلسلة الّتي تقيّد الشيطان يتألّف قوامها من صوم شهر رمضان نفسه وليس من شيءآخر ، على هذا فكلّما اتّسم الصوم بالإتقان والتكامل ، زاد ذلك من إحكام السلسلة الّتي تغلّ الشيطان وتردع النفس الأمّارة ، ومن ثَمَّ أدّى ذلك إلى تضاؤل الغفلة والانحرافات الناجمة عنها .
هامش
( 1 ) . إحياء علوم الدين : ج 1 ص 347 ؛ المحجّة البيضاء : ج 5 ص 148 ، عوالي اللآلي : ج 1 ص 273 ح 97 وص 325 ح 66 ، بحار الأنوار : ج 70 ص 42 .
أقول : قد ورد هذا الحديث من دون قوله : « فضيّقوا مجاريه بالجوع » في المصادر التالية : صحيح البخاري : ج 6 ص 2624 ح 6750 ، سنن ابن ماجة : ج 1 ص 566 ح 1779 ، مسند ابن حنبل : ج 4 ص 313 ح 12593 وص 568 ح 14044 ، سنن الدارمي : ج 2 ص 776 ح 2680