السائس للدوابّ خادم لها من هذا الوجه ، والخادم بما هو خادم أنقص منزلة من مخدومه ، إلّاأنّ لخادم الدابّة جهة إنسانيّة في نفسه ، بها يكون فضيلته على الدابّة ، فكذا حال النبيّ مع الامّة .
السابع عشر : إنّ الملائكة أتقى من البشر فوجب أن يكونوا أفضل منهم ؛ أمّا تقواهم فلأنّهم مبرّؤون عن الزلّات وعن الميل ، وأمّا الأنبياء فإمّا أن يكونوا غير معصومين - كما عليه العامّة - أو معصومين كما عليه الإماميّة ؛ فعلى الأوّل الأمر واضح ، وعلى الثاني فهم لم يخلوا عن الميل إليها بحسب الطبيعة البشريّة ، فثبت أنّ تقوى الملائكة أشدّ ، وأمّا كون الأتقى أفضل فلقوله تعالى :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
« 1 » .
والجواب : إنّا لا نسلّم أنّ تقواهم أشدّ ؛ لأنّ التقوى مشتقّة من الوقاية ، فلمّا كانت الدواعي والشهوات أكثر كان التوقّي عنها أشدّ ، ولمّا كان المقتضي للمعصية في حقّ البشر كان التوقّي منهم عنها أشدّ .
الثامن عشر : قوله تعالى :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
« 2 » ، ووجه الاستدلال : أنّ قوله تعالى : « ولا الملائكة المقرّبون » خرج مخرج التأكيد للأوّل ، ومثل هذا التأكيد إنّما يكون بذكر الأفضل كما في قولك : هذه الخشبة لا يقدر على حملها العشرة ولا المائة ، وكذا في كثير من الأمثلة .
والجواب : أوّلًا : أنّ الدليل أخصّ من المدّعى ؛ إذ غاية ما فيها بعد التسليم أفضليّة الملائكة المقرّبين على المسيح لا على من هو أفضل منه .
وثانياً : أنّ قوله تعالى
وَلَا الْمَلائِكَةُ
ليس فيه إلّا واو العطف التي لمطلق الجمعيّة ، والأمثلة الجزئيّة غير مفيدة في الدعوى الكلّيّة .
على أنّها معارضة بأمثلة أخرى كقوله : ما أعانني على هذا الأمر زيد ولا عمرو ، فهذا لا يفيد أفضليّة عمرو على زيد .
سلّمنا ، أنّه يفيد التفاوت أمّا أنّه من جميع الوجوه أو من جهة كثرة الثواب فغير
هامش
( 1 ) . الحجرات ( 49 ) : 13 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 172 .