معرفته عقلًا بالنظر ، والمعرفة بعده من صنع العبد يولدها النظر ، كما أنّ حركة اليد تولد حركة المفتاح .
ثمّ إنّهم اختلفوا في أوّل واجب ، فقال الأشعريّ : هو معرفته تعالى ؛ إذ هو أصل المعارف والعقائد الدينيّة وعليه يتفرّع كلّ واجب من الواجبات الشرعيّة .
وقيل : هو النظر في معرفته تعالى ؛ لأنّ المعرفة تتوقّف عليه ، وهو المحكيّ عن جمهور المعتزلة .
وقيل : هو أوّل جزء منه ؛ لأنّ وجوب الكلّ يستلزم وجوب أجزائه ، فأوّل جزء من النظر واجب ومقدّم على النظر المتقدّم على المعرفة .
وقيل : هو القصد إلى النظر ؛ لأنّ النظر فعل اختياريّ مسبوق بالقصد المتقدّم على أوّل جزء من أجزاء النظر . « 1 » إلى غير ذلك من مزخرفاتهم ، فيحتاج تطبيق هذه الأخبار إلى تكلّفات ، ويمكن أن توجّه بوجوه :
الأوّل : أنّ المراد بها العلم بوجوده سبحانه وتعالى ، فإنّه ممّا فطر اللَّه العباد عليه إذا خلّوا أنفسهم عن المعصية والأغراض الدنيويّة كما قال تعالى :
« وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ »
« 2 » ، وبه فسّر قوله صلى الله عليه وآله : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » ، أي من وصل إلى حدّ يعرف نفسه فيوقن بأنّ له خالقاً ليس له مثله .
الثاني : أن يراد بها كمال المعرفة ، فإنّه من قِبَل اللَّه تعالى بسبب كثرة الطاعات والعبادات والرياضات .
الثالث : أن يكون المراد بها معرفة غير ما يتوقّف عليه العلم بصدق الرسل ، فإنّ ما سوى ذلك إنّما نعرفه بما عرّفنا اللَّه على لسان أنبيائه وحججه .
الرابع : أن يكون المراد بها معرفة الأحكام الشرعيّة ؛ لعدم استقلال النظر فيها .
هامش
( 1 ) . الفوائد المدنيّة ، ص 406 .
( 2 ) . لقمان ( 31 ) : 25 .